مقاتل الطالبيين - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢
الرغم من ان المؤلفين الذين جاءوا بعد ابي الفرج قد عولوا عليه كثيرا، واعتبروه مرجعا هاما للتاريخ العربي والحضارة الاسلامية، فهو - في الواقع - لا يصح ان يكون اساسا لدراسة التاريخ بصفة خاصة، لان الاصل في تأليفه لم يكن تاريخيا بصورة مطلقة، بل كان الغرض الاول الذي وضعه أبو الفرج نصب عينيه - حين وضع هذا الكتاب - هو امتاع الاسماع ومؤانسة القلوب وترويح النفوس وتحلية الاذواق ليس إلا. فكان إذن من اكبر الاخطار واشنع الاخطاء اعتماد كتاب الاغاني في فهم التاريخ الصحيح، واعتبار رواياته حقائق تاريخية يصح الركون إليها والبناء عليها. لان ابا الفرج لم يكن يعنيه من رواية الاخبار سوى طرافتها وغرابتها، سواء أكانت هذه الاخبار صحيحة أو غير صحيحة. ومع ان ابي الفرج لم يختلق كل هذه الاخبار، إلا ان له - دون ادنى شك - يد في تلوينها ووضعها في قوالب يغلب عليها اللهو والمجون - على حد قول الدكتور زكي مبارك -. ثم ان دراسة الجانب الماجن من حياة ابي الفرج [١] تعين الباحث على فهم نفسيته وتعرفه على تذوق ابي الفرج لمتع الحياة بمختلف الوانها الخليعة اللاهية. وقد لفتت هذه الناحية من كتاب الاغاني في نظر بعض الباحثين الاقدمين والمحدثين فقد قال ابن الجوزي في كتابه المنتظم: " ومن تأمل كتاب الاغاني رأى كل قبيح ومنكر ". واشار الخونساري في روضات الجنات إلى ذلك ايضا فقال: " إني تصفحت كتاب اغانيه المذكور إجلالا، فلم أر فيه إلا هزلا أو ضلالا، أو بقصص اصحاب الملاهي اشتغالا ". اما من المحدثين، فلعل اوسع من درس كتاب الاغاني، ونبه على هذا الموضوع على وجه التخصيص، هو المرحوم الدكتور زكي مبارك الذي ذكر في
[١] - راجع ما يرويه ياقوت الحموي في معجم الادباء ج ٥ من الاقاصيص الماجنة التي وقعت لابي الفرج على لسانه نفسه.