نهاية المقال في تكملة غاية الآمال - الشيخ عبد الله المامقاني - الصفحة ١٦٥ - مسألة في حكم الشرط الصحيح و تفصيله و وجوب الوفاء بالشرط
إيجاد الأوصاف بإيجاد أسبابها بعد كونها مقدورة ممّا لا غائلة فيه غاية الأمر كونها من الأوصاف التوليديّة لا الأفعال التوليديّة و من ذلك يظهر ان متعلّق النذر عند التحقيق هي الأسباب و إن كان في الظّاهر متعلّقا بالمسبّبات و الغايات الثاني من حجّتي القول الثّاني ما تمسّك به جمال المحققين (ره) في حاشية (- الروضة-) حيث قال بعد ان أورد على صاحب (- ك-) بما عرفت ما نصّه و هاهنا كلام أخر و هو انّ في عموم أدلّة النّذر بحيث يشمل مثل هذا النّذر تأمّلا فإنّ المتبادر الشائع من النّذر هو ان يكون متعلّقه فعلا يصلح بعد النّذر للإتيان به و الوفاء بالنّذر و لعدمه فيحنث و تجب الكفّارة و الرّوايات الواردة في موارد النّذر انّما هي فيما هو من هذا القبيل كما يظهر بتصفّحها و امّا نذر أمر يقع بالنّذر لا محالة و لا يمكن حنثه فغير معهود و لم يرد به نصّ صريح و يؤيّد ذلك معناه اللّغوي على ما هو المشهور من انّه من النّذر بمعنى الوعد كما ذكره الشارح في شرح (- يع-) و سبق منه في هذا الشرح (- أيضا-) فان الوعد انّما هو فيما يمكن الوفاء به و عدمه و كون معناه شرعا يشمل ذلك ممّا لم يثبت و على هذا فيشمل التمسّك لصحّة مثل هذا النّذر بعموم أدلّة النّذر نعم الرّواية المذكورة بظاهرها تدلّ على صحّة هذا النّذر وجوب العمل به لكن يشكل التمسّك بمجرّد ذلك مع قصور سندها و الروايات الواردة في العتق المعلّق بالملك كما نقلناها لا تصلح دليلا عليه إذ على تقدير حملها على النّذر لا دلالة لها على وقوع العقد بمجرّد ذلك كما ذكرنا لكن الظاهر من كلام جماعة من أجلّاء أصحابنا في هذا النّذر و أمثاله من نذر الصّدقة و الأضحية كما سيجيء شمول النذر لمثل ذلك أيضا و هم أعلم الّا انّه ما لم يظهر إجماع عليه يشكل التمسك و لم يظهر ذلك لنا إذ ليس هذه المسائل في كلام كثير منهم و لا يبعد ان يقال في هذه المسئلة انّ مثل هذا النّذر و ان لم يكن من الأفراد المعهودة للنّذر لكن يصلح مؤكّدا لما تعلّق به إذا كان متعلّقة ممّا يقع بما أوقعه كالعتق في مثالنا هذا و (- ح-) نقول إذا لم يثبت الإجماع على عدم صحّة العتق المشروط مع ضمّ مثل هذا النّذر فيمكن التمسّك لصحّته بالعمومات الواردة في العتق و ان لم يظهر مستندهم في استثنائه من القاعدة المذكورة لما عرفت من عدم ظهور دليل لهم على القاعدة (- أيضا-) إلّا الإجماع فإذا لم يثبت الإجماع في هذه الصّورة لعمومات العتق تصلح سندا للحكم بصحّته و الرّواية المزبورة ممّا تصلح مؤيّدا و مؤكدا له انتهى كلام المحقق جمال الدين (قدّه) و حاصل ما ذكره في وجه المنع انّ النتائج مسببات شرعيّة لها أسباب مخصوصة محصورة في الشريعة كالبيع و العتق و الوقف و النّكاح و نحوها فكون الشيء مبيعا لا يتحقّق إلّا بإيجاد سببه الشرعي الّذي هو عقد البيع و كون العبد حرّا لا يوجد إلّا باحداث سببه الشرعي الّذي هو إنشاء العتق و على هذا القياس كون المال وقفا و المرية زوجة و أمثال ذلك فإنّها تتوقّف على أسبابها الشرعيّة و لم يثبت كون مجرّد النّذر كافيا في حصول تلك الغايات و النّتائج في الشريعة بل أدلّة النّذر شرعا تقتضي وجوب الوفاء بالمنذور على شرائطه الشرعيّة لأنها تشرع الشيء لنفسه كما صرّح به في الجواهر و قال بعده و الّا لصحّ الطّلاق بدون صيغة بنذره مثلا و كذا النّكاح و غيره و هو معلوم البطلان ثمَّ قال و من هنا صرّح بوجوب الصّيغة في الفرض و لعلّه كذلك للأصل و لانّه ليس من الإيقاع في شيء كما أوضحناه سابقا و لانّ النّذر انّما يتعلّق بفعله هذا كلامه في مسئلة نذر العتق المعلّق على الملك و ذكر في مسئلة نذر أضحية معيّنة في كتاب الصّيد و الذباحة ظهور أدلّة النّذر في كونه من الملزمات لانّه سبب يقوم مقام العتق و الطّلاق و النكاح و الإجارة و غيرها ممّا كان ظاهر أدلّة توقّفه على إنشاء مخصوص و صيغة مخصوصة هذا و قد أجيب عمّا ذكر دليلا ثانيا للقول الثاني بالمنع من انّ المتبادر من أدلّة النّذر كون متعلّقه فعلا قابلا للوفاء به و الحنث لما عرفت من انّه يكفي كونه وصفا مقدورا و لو توليدا بواسطة الأسباب و ليس من شرط النّذر كونه قابلا للحنث و انّما يكفي كونه قابلا للنّقض و هو في المقام موجود و انحصار الأسباب فيما عدى النّذر ممنوع لانّ الوقوع بمقتضى نفس الالتزام المذكور في بعض الموارد بعد اقتضاء ثبوت اللّوازم ثبوت الملزوم كما
هو مفاد وجوب الوفاء أو وجوب ترتيب جميع الآثار ممّا لا غائلة فيه غاية ما في الباب ان لا يكون علّة تامّة بل يكون من قبيل المقتضي كالإيجاب الصّادر من الموجب فإنّه نوع من الالتزام و هو مفتقر في تمام تأثيره إلى القبول و قد يفتقر إلى انضمام القبض كما في الوقف و الهبة و الصّرف و السّلم مضافا إلى ما قد عرفت من انّ النّذر المذكور يمكن إرجاعه إلى نذر الأسباب لأن ما نحن بصدده انّما هو تصحيح الالتزام و إخراجه عن الاستحالة و اللّغوية لا الالتزام بوقوع الملتزم بنفس ذلك الالتزام من دون حاجة إلى إيجاد شيء من الأسباب و امّا ما ترى من اطباقهم على وقوع العتق بمجرّد النّذر من دون اشتراطهم إيقاع صيغة العتق بعد ذلك فذلك ممّا قام عليه الإجماع بخصوصه و منشأ الإجماع المذكور بعض الأخبار الدالة عليه و عدم البناء على وقوع الملتزم في جملة من المواضع كالنّكاح و الطلاق و نحوهما من العقود و الإيقاعات الشرعيّة انّما هو من دلالته الأخبار و قيام الإجماع على اعتبار ألفاظ مخصوصة في مثل ذلك لا من جهة بطلان النّذر و لو لا تلك الأدلّة لقلنا بالوقوع بمجرّد النّذر المذكور في ذلك أيضا و قد يقرّر الجواب بان مقتضى صحّة النّذر المذكور و وجوب ترتيب جميع آثار الملكية أو الحريّة أو غيرهما عليه بحكم عموم وجوب الوفاء بالعقد و استكشاف تحقق الملزوم الّذي هو الملكيّة ليس الّا كون النّذر المذكور من الأسباب الشرعيّة لحصول الملك في الجملة بمعنى أنّه كالإيجاب الصّادر من الموجب لا انه علّة تامّة لحصوله لانّ حصول الملك في الواقع تابع للعناوين الخاصّة حسبما يدلّ عليه الأدلّة الشرعيّة فإنّ معنى الالتزام بكون الشيء كذا و ان كان امرا واحدا معقولا في العرف الّا انّ المتعلّق ان كان ممّا لا يقتضي وقوعه إلى قبول و لا إلى قبض يقع بمجرّد هذا الإنشاء كما في العتق و ان افتقر إلى قبول من الغير فلا بدّ من تعقّبه بالقبول كما في البيع و الصّلح و ان افتقر إلى قبض فلا بدّ من تعقّبه به كما في الهبة و احتمال حصول الملك القهري مدفوع بانّ سبب الملك القهري منحصر في الموت بل نزيد على ما ذكر و نقول انّ العقد ان كان ممّا يعتبر فيه اللّفظ الصّريح كما في النّكاح و الطلاق على ما هو المقرّر من لزوم كمال الاحتياط فيهما فلا بدّ من ان يكون الإنشاء المذكور بالألفاظ الصّريحة و لا تكفي الكنايات هذا هو تحرير حجّتي القول ببطلان نذر الغايات رأسا مع اجوبتهما و لو أمعنت النّظر في ذلك انحلّ الوجهان إلى وجوه فظهر لك الجواب عنها و ان شئت أشرنا إلى الوجوه و أجوبتها الأوّل ما سمعت من سيّد (- ك-) من انّ المسبّب انّما يتحقّق بعد وجود سببه فاذا نذر حصول المسبّب في الخارج من دون سببه فقد نذر امرا ممتنعا لعدم تعقّل وجود المسبّب قبل وجود السّبب فيبطل و فيه انّه انّما يتمّ حجة على من صحّح نذر النتائج من دون افتقار إلى إيجاد أسبابها و امّا على ما مرّ من اختيار القول بالصّحة مع اعتبار إيجاد السّبب فيندفع ذلك بان حصول المسبّب من دون إيجاد سببه و إن كان ممتنعا الّا انّ النّذر التزام و لا مانع من تعلّقه بأمر ممتنع إذا كان له آثار ممكنة راجعة إلى النّاذر الا ترى انّ الحلف بالعتاق و الطّلاق أمر شائع