نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٩٥ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
في المساجد ، تقابل بيت الصلاة المغطّى (ظلّة) ، بل يجب فهمها بمعناها الأول المرادف للفناء أي للساحة المركزية بأرض منبسطة. عرّف «لسان العرب» الكلمة بمعناها المتأخر (وتعني حرفيا ساحة ، صحن لمركز البيت) ، وأورد التعريف الآتي [١] :
«المستوي من الأرض مثل عرصة المربد ، صحن».
والملاحظ أن اعتماد مربد البصرة يبدو مرجعا رئيسا ، وهو المجال الكبير المستخدم كسوق للدواب ، وكملتقى للشعراء ، وهو ما يقابل الكناسة في الكوفة. ولنلاحظ أيضا أن مفاهيم الفلاة ، والأرض المنبسطة ، والمركز بالخصوص والتي نجدها عند ابن منظور للتعريف بالصحن ، تعبّر بصورة عجيبة عن الجوانب المتنوعة للمساحة المركزية ، الموجودة فعلا في أرض منبسطة كما في مجال صحراوي.
وقد أحيط هذا الصحن بخندق [٢] فورا ، لكي لا يقع اقتحامه ببناية ما ، وبذلك يكاد يكتسي مناعة مقدسة ، ينبغي التساؤل عن كنهها. ومن هذا الصحن بالذات ـ وهي الكلمة التي اعتمدها سيف ـ تشع المناهج الخمسة عشر. وقد تحدد مفهوم الصحن بوضوح أخيرا ، فكان يشمل المسجد والقصر والأسواق :
«فكان الصحن على حاله زمان عمر كله لا تطمع فيه القبائل ليس فيه إلا المسجد والقصر والأسواق في غير بنيان ولا اعلام» [٣].
إن إقامة هذه المساحة المركزية كمركز للسلطة والدين ، وللتجارة بصفة ثانوية ، لدليل على وجود نية تمدنية واضحة عند الحكام العرب ، لكنها تدل أيضا على وجود خط متصل يرجع إلى العصور السالفة ، فيما يخص تاريخ إنشاء الحواضر. إن لويس ممفورد [٤] محق في رأيه حين يقول : «إن المعسكر المحصن (يعني القصر) ، والمعبد داخل موقع يفصله حد مقدس عن الدنيا ، يشكل سمة مميزة لإنشاء مدينة من المدن». هذا ولا يمكن القول ، ونحن نتكلم على الكوفة تحديدا ، إن حدود المساحة تكتسي طابعا مقدسا ، لأن الأمر يتعلق بمجرد منع سلطاني للبناء الخاص.
عموما كان هذا المكان يتّخذ شكل القلعة المحصّنة أو المدينة ـ الحصن في التقليد المديني ماضيا ـ وتبرز هذه الظاهرة عند العراقيين القدامى بتواتر أكبر ممّا عند المصريين [٥]
[١] لسان العرب ، ج ١٣ ، ص ٢٤٤.
[٢] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٣] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٤] Lewis Mumford, La Cite ? a ? travers l\'histoire, Paris, ٤٦٩١, p. ٣٥.
[٥] Ibid.,pp.٦٠١ ـ ٩٠١.