نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٥٦ - ٣ ـ إنهاء فتح العراق وتنظيم السواد
أهمية الحاجز والحصن ، من هنا تجمّع الفرس وإسراع العرب الكبير للتحول إلى هذه النقطة. من هم هؤلاء الفرس الذين اعتصموا في جلولاء ، بقيادة مهران أو خرزاد؟ كانوا عبارة عن النواة الأخيرة المتبقية من جيش القادسية التي سبق أن تخلت عنها فضائل فضلت الانسحاب إلى النجد الإيراني ، وروي أن أمدادا قادمة من حلوان وما والاها التحقت بها أيضا [١]. لقد أجلي الأهالي إلى خانقين ، بينما حط الملك رحاله بحلوان [٢] التي كانت أول ممرّ جبلي بالجبال [٣] ، وكانت تقع تماما على التراب الإيراني لا في العراق كما قيل ، ولذا يحدونا الشعور الجلي أن الفرس عمدوا إلى اختيار موقع جلولاء ليكون العراق مسرحا لآخر معاركهم من أجل العراق وكذلك لحماية بوّابة فارس : كانت جلولاء أهم من المدائن من حيث الأهمية الاستراتيجية.
ولم يخطىء العرب في تقديرهم ولذا وجهوا هاشم بن عتبة نائب القائد العام برفقة ١٢٠٠٠ فارس شكلوا نخبة المقاتلين ، ونحن نستشف هذا الأمر من رواية الأحداث بل إن الروايات تؤكد ذلك [٤]. وخرج إلى القتال قادة من طراز جرير بن عبد الله البجلي والقعقاع بن عمرو ، وقد تولوا القيادات في حين أن زعماء الردة لم يقوموا إلا بالمساهمة في القتال. لقد ظهرت معركة جلولاء في نظر العرب بمظهر المعركة الجدية التي كانت محسومة سلفا ، نظرا للموقف العسكري العام ، وهو ما يفسر أن سعدا لم يخرج بأكثر الجيش من المدائن ، فوجه جيشا مهما لا كل الجيش. ولكن يمكن القول إن ثمة مجموعة شاركت في القتال بغية العمل من أجل كسب حقوق معنوية لاحقة ، لأن الحضور بجلولاء اعتبر مخولا للفيء بمعناه الضيق (التمتع بالأراضي المغتصبة من أملاك التاج الفارسي) ، ولأن الغنيمة المتكدسة كانت عظيمة.
لا فائدة من الإلحاح على العملية العسكرية وتفاصيلها. لم تكن جلولاء محصنة أصلا : فوجب تحصين المعسكر وإحاطته بالوسائل المتاحة لكون الفرس سلكوا حتما مسلكا دفاعيا ، فلم يتمكنوا من الصمود طويلا ، وحاولوا الهجوم ، فكانت الهجمة الأخيرة هي التي شكلت معركة جلولاء بالذات. كانت معركة حامية إذا ما صدقنا سيفا الذي عاد إلى وصفه الملحمي جاعلا من جلولاء رجعا للقادسية إلى حد ما [٥] : كان كايتاني محقا عندما أشار إلى
[١] فتوح البلدان ، ص ٢٦٤ ؛ الأخبار الطوال ، ص ١٢٧ ؛ الطبري ، ج ٤ ، ص ٢٧.
[٢] الأخبار الطوال ، ص ١٢٧ ، فتوح البلدان ، ص ٢٦٤.
[٣] على الطريق الكبرى لخراسان : اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص ٢٧٠ ؛ ابن رسته ، الأعلاق النفيسة ، ص ١٦٤ ؛.Le Strange ,op.cit.,p.٣٦.
[٤] الطبري ، ج ٤ ، ص ٢٤ و ٢٦ : كان القعقاع يقود الطليعة ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ٢٦٤.
[٥] الطبري ، ج ٤ ، ص ٢٦ ـ ٢٧.