نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٣٢٧ - ٢٤ ـ الكوفة والمدن المنشأة بالعراق قبل بغداد
فتح «كور» دجلة [١].
وسواء اعتمدنا سيفا أو المخبرين الآخرين [٢] ، وبالرغم من اختلافاتهم ، فإن قراءة نقدية للنصوص تحملنا على الاقتناع بأن عملية عسكرية ثانوية للتلهية [٣] جرت بين سنة ١٤ و ١٦ ه ، وقد كانت بقيادة عتبة بن غزوان وبتوجيه من المدينة. ولا شك أن جموع بكر المقيمين بالحدود قد أشاروا بها [٤]. فتسببت هذه الحركة في هجرة محدودة [٥]. وكانت عملية ضعيفة المدى حدثت بأسفل دجلة ، فتم الاستيلاء على الأبلّه ـ مقر الحامية الفارسية ـ ودستميسان والفرات [٦]. وكان من السهل انهاؤها مما يفسر أن العرب المهاجرين تكاثروا بسرعة. ولا شك أن ذلك قد وقع منذ سنة ١٥ ه بعد القادسية مباشرة. وكان على هذه الغزوات أن تكتسب لها قاعدة فقامت الخريبة بذلك. وقد أكدت بعض الأخبار أن العرب بنوا سبع قرى محصنة هي الدساكر [٧]. ولعل المعسكر في هذه الصورة اتخذ شكل منشأة قروية متفرّقة ، فكان نواة للبصرة العتيدة [٨]. لكن ذلك يبدو متناقضا مع أقوال هذه المصادر بالذات بخصوص إقامة معسكر من الخيام ، وأكواخ من القصب ، القصب الذي يقتلعه العرب في كل حملة لكي يتمّ تركيبه عند العودة [٩]. من رأينا أنه ينبغي رفض فكرة بناء هذه
[١] البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ٣٣٥.
[٢] يذكر الطبري ، ج ٣ ، ص ٣٩٠ وما بعدها اسم الشعبي وأبي مخنف والمدائني. وتمثل المصدر الرئيس عند البلاذري في شكل مجهول : «قالوا» لكنه يذكر أيضا الواقدي وابن اسحاق وعوانة وأبا عبيدة ، ووهب بن جرير ، وآخرين أقل شهرة : فتوح البلدان ؛ والدينوري ، الأخبار الطوال ، ص ١١٦ ـ ١١٩ ، وقد ألحا على ما كان لهذه العمليات من استقلال وتدبير وأهمية.
[٣] كانت فكرة عملية التلهية وحماية الجهة الجنوبية واضحة عند سيف ، الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٩١ ، وعند البلاذري ، ص ٣٣٦ ؛ ابن سعد ، طبقات ، ج ٧ ، ص ٥.
[٤] مع سويد بن قطبة مماثل المثنى : فتوح البلدان ، ص ٢٤٣ وص ٣٣٥ ؛ الأخبار الطوال ، ص ١١٦ حيث بدا بمظهر المقلد للمثنى وكان من عجل ؛ صالح العلي ، التنظيمات ، ص ٣٤.
[٥] فتوح البلدان ، ص ٣٣٨ ؛ أبو مخنف في الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٩١.
[٦] فتوح البلدان ، ص ٣٣٥ ـ ٣٤١.
[٧] لا سيما ابن اسحاق : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص ٣٣٧ ، وقد جعل منها مرحلة لاحقة أنشئت بعد وقت قصير من إقامة معسكر الخيام ؛ الواقدي ، في طبقات ابن سعد ج ٧ ، ص ٦ ، اعتبر ذلك بادرة عفوية قام بها بعض الأفراد.
[٨]. Massignon,» Explication du plan de Basra «, Opera Minora, III, p. ٠٧ يرى ماسينيون أن الخريبة هي موقع البصرة في حين أنها تظهر على الأطراف. انظر : فتوح البلدان ، ص ٣٣٦ ؛ الطبري ج ٤ ، ص ٤٩٨ وص ٥٣٨.
[٩] فتوح البلدان ، ص ٣٣٦ و ٣٤٢. اقتبس عنه ياقوت ج ١ ، ص ٤٣٢ ، كما هو معلوم ؛ الطبقات ج ٧ ، ص ٦ ؛ الأخبار الطوال ، ص ١١٧. الواضح أن المقصود هي المرحلة التالية.