نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٧٧ - ١٩ ـ أجيال جديدة ، عصور أخرى
وقورا على عالم بطولي ، ومعمّرا كاد يبلغ المائة [١]. الأجيال غير الأجيال والعصور غير العصور.
منعرج الثمانينات
بصورة محسوسة أكثر ، كانت ثورة ابن الأشعث (٨٢ ـ ٨٣) منطلقا لإنشاء عاصمة إدارية وعسكرية أموية صرف في العراق ، نعني واسط. وفقد المقاتلة في الكوفة والبصرة استقلاليتهم بعد أن احتل جيش الشام العراق بصفة دائمة. وبالتالي ، صارت الأمصار منزوعة السلاح فعلا [٢]. واستمر العمل بالنسق الجبائي السابق ـ الذي أنبنت عليه الأمور كافة ـ (الخراج والعطاء والرزق) ، لكن داخله الاضطراب. لقد قدرت مداخيل الكوفة في ولاية زياد ب ٤٠ مليونا من الدراهم ، في حين كانت مداخيل البصرة ٦٠ مليونا [٣]. وكانت ٦٠% منها تحول إلى عطاء الرجال المسجلين بالديوان ، وتنفق ٢٧% على عطاء الذرية وتوجه حوالى ٣ ملايين درهم إلى الخليفة وينفق الباقي محليا مع إبقاء جزء منه «للبوائق والنوائب» [٤]. وبذلك بلغ خراج المدينتين ١٠٠ مليون درهم ، وهو المقدار المساوي لما كان يجمع في خلافة عمر [٥]. ثم انخفض في ولاية الحجاج إلى ٢٤ مليونا [٦] ، وقد حصل أن ارتفع إلى ٤٠ وحتى ٨٠ مليونا [٧] ، لكن الانهيار أمر واقع. وينبغي ربطه بالإرث الذي خلفته فترة طويلة من الاضطرابات السابقة ، فضلا عن التشويش الذي أدخله شبيب على النسق الجبائي (كسر الخراج). كان اضطرابا مقصودا متعمدا إذ ألقيت وبعثرت أكياس ملأى بالدراهم [٨]. وأخيرا فقد اندلعت ثورة ابن الأشعث (٨٢ ـ ٨٣) ، وهي ثورة «المصرين» دون أن يكون لها محتوى إيديولوجي ، حيث أن توجهها تمثل تماما في إرادة القضاء على الحضور الأموي في العراق.
كانت النتائج متنوعة مهمة ، تمثلت في الانفصام النفساني بين أهل العراق والنظام كما
[١] الطبري ، ج ٦ ، ص ٢٥٩ و ٢٦٥.
[٢] Shaban ,op.cit.,pp.٣١١ ـ ٦١١.
[٣] أنساب الأشراف ، ج ٤ (١) ، ص ٢١٨ ـ ٢١٩.
[٤] المرجع نفسه.
[٥] أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص ٢٦ ؛ فتوح البلدان ، ص ٢٧٠.
[٦] ابن خرداذبه ، ص ١٤ ، جعله ينخفض إلى ١٨ مليونا.
[٧] ورد في فتوح البلدان ، ص ٢٧٠ ، ٤٠ مليونا. أما الماوردي ، فقد ذكر ٨٠ مليونا : الأحكام السلطانية ، ص ١٧٦.
[٨] الطبري ، ج ٧ ، ص ٢٦٧ : ملحوظة مهمّة عن جباية الخراج.