نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٦ - ٢ ـ من الأيام إلى القادسية
جرير بمشروع عمر : كان الأول في حاجة إلى فكرة وهدف جديد وطموح ، وكان الثاني محتاجا إلى مهاجرين ومحاربين مسلمين أوفياء ليدفع بهم إلى العراق. على أن جريرا لم يرض بمقترح عمر إلا مترددا ، لأن قومه كما العرب كافة ، باستثناء بكر دون شك ، كانوا يفضلون الشام على العراق. وتم الاتفاق ، بعد بذل الوعد لبجيلة أن تمنح هبات خاصة عند الانتصار وتقرر أن تأخذ ربع الخمس من الغنيمة كما جاء في أغلب المصادر [١] ، أو «الثلث بعد (أخذ؟) الخمس» ، كما أشار إلى ذلك البلاذري إشارة غامضة [٢] أو ربع البلدان المفتوحة كما كان محتملا كثيرا [٣]. ويبقى الشك يسيطر على هذه المساومة ، نظرا لأن المرحلة التي بلغها الفتح في العراق لم تكن تؤهل للوعد بأي شيء. ومما له دلالة أن جريرا تخلى عن كل مطلب على السواد ، بعد الانتصار ، لأسباب معنوية صرف [٤]. هذا وقد تحولت قبيلة بأكملها كانت تعد ٢٠٠٠ رجل ، إلى العراق بهدف الهجرة نهائيا ، مفتتحة بذلك الحركة الكبرى للهجرة اللاحقة.
وإلى جانب بجيلة ، أشير إلى تدفق الحشود من الأزد [٥] ، وكنانة ، وضبة ، وخثعم والرباب ، وبني سعد ، وبني عمرو [٦] ، وعبد القيس ، كما حضرت قبيلة النمر من ربيعة وقد كانت إلى جانب الفرس إلى ذلك الوقت ، تدور بدرجة متفاوتة في فلك الساسانيين ، وبعد أن سلط عليها خالد قمعا شديدا. لعل عناصر عبد القيس والنمر [٧] ، وحتى تغلب وقد شهدت البويب أدمجت من طرف المثنى فيما يمكن تسميته بجيشه الخاص أو القبلي ، طالما كان
و ٣٦٩. لكن سيف كان صريحا في أن جريرا لم يدخل العراق قبل معركة الجسر. أما عن تسميته بالحميري ، فإما انها تعود إلى أن مجمّع بجيلة كان غريب النسب عنها سواء كان أزديا أم حميريا ، واما انها اختلطت بمسألة عرفجة بن هرثمة منافس جرير. كان عرفجة أزديا من بارق ، ويبدو أنه قاد جانبا من بجيلة على أدنى تقدير وكان عمر يفضله على غيره ، لكن بجيلة تخلوا عنه والتفوا حول جرير : الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٤٦٢ وص ٤٧١.
[١] مثلا : الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٤٦٢.
[٢] فتوح البلدان ، ص ٢٥٤ ، نقلا عن الشعبي.
[٣] المرجع نفسه ، ص ٢٥٣ عن أبي مخنف ، وص ٢٦٧ عن ابن أبي حازم حيث قال أيضا أن بجيلة «كانت ربع الناس يوم القادسية».
[٤] المرجع نفسه ، ص ٢٦٧ ، وذكر خبرا آخر بالصفحة نفسها قال فيه «كان عمر أعطى بجيلة ربع السواد فأخذوه ثلاث سنين» وفي نهايتها طلب عمر منهم إرجاع الأموال ، والتساوي مع بقية المسلمين. ويوجد الخبر ذاته تقريبا في كتاب الخراج لأبي يوسف ، ص ٣٢.
[٥] مثلا الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٤٦٣ ، كانت الأغلبية لبارق بقيادة عرفجة لا مخنف بن سليم كما يقول الدينوري في الأخبار الطوال ، ص ١١٤.
[٦] الطبري ، التاريخ ، ج ٣ ، ص ٤٦٤.
[٧] الطبري ، الموضع نفسه ، وقد مثلها أنس بن هلال النمري ، وكان شخصا مرموقا.