نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٣٨ - ٢ ـ من الأيام إلى القادسية
ذلك بقليل. وكانت الأرقام المتعلقة بالجيش الفارسي تتراوح بين ٦٠٠٠٠ و ١٢٠٠٠٠ رجل [١]. والواقع أن نصف الجيش الفارسى اشتمل على الاتباع ، وعلى هذا فنحن نتمسك برقم ٦٠٠٠٠ مقاتل ، منهم ١٥٠٠٠ من الأشراف [٢] ، أي ضعف الجيش العربي. ولم يكن ذلك بالأمر المثبط قط لكن حضور الأتباع بكثرة ، ووجود ثلاثين من الفيلة ، وكون المقاتلين مترابطين بالسلاسل وكون مجال القتال محدودا نسبيا ، محصورا بين الفرات وقنواته وأعالي الطفّ ، كل ذلك جعل من الجيش الفارسي كتلة صعبة التحرك ، ثقيلة الحركات. ومما زاده تثاقلا أنه كان جيشا عظيم التجهيز مدرعا كله بالحديد ، مع أنه صار بذلك أداة حرب هائلة. وكان العرب تجاه أعدائهم قليلي العدة وقد روي أن المحاربين استخدموا سروج مطاياهم وأحزمتها بدل التروس والخوذات ، مما يوحي بالشعور أنه كان جيشا هشا [٣]. لكن الرجال كانوا مسلحين ، وكانوا يمثلون نخبة القبائل حيث أمر سعد بألّا يجند إلا الرجال الممتلكون لأسلحتهم. وتمّ له ذلك بيسر ، وهو دليل على ما بلغته بلاد العرب من تطور في ذلك العصر. فلم يكن العرب برابرة بالمعنى المعهود للكلمة ، بل كانوا منفتحين على العالم الخارجي بما يكفي لكي يستطيعوا التسلح بصورة واسعة ، إما عن طريق التبادل وإما بفضل الإقتباسات التكنولوجية [٤].
ويبدو أن رستم قد فضل استراتيجية الاستنزاف على الهجوم الفوري [٥]. ولا يحتمل أنه لم يدرك لحد ذلك الوقت طابع الغزو المنظم الذي اكتساه التدخل العربي في العراق ، نظرا للوضع الذي صارت عليه الأحداث : وبذلك فإن المقترحات التي عرضها على العرب والتي استهدفت العودة إلى ديارهم عودا مشرفا ، لا يمكن أن تؤوّل إلّا من باب الحرب النفسية [٦]. فهل كان يريد حقا تلافي صدام مسلح لا يكون له غنم فيه إذا انتصر ، ويفقد فيه كل شيء لو هزم؟ لقد أشارت المصادر إلى حذره ، واعتماده المنجمين الذين توقعوا له
[١] ٢٠٠٠٠٠ ، مع أتباع الجيش ، كما ورد بخبر آخر : الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٠٥.
[٢] الطبري ، ج ٣ ، ص ٥١٠ : ٦٠٠٠٠ هو أدنى رقم يستمد من رقم ١٢٠٠٠٠ رجل المتداول وهو يشكل عدد المقاتلين الحقيقيين. وقد خفضه عوانة كما نقل عنه الطبري ، ص ٤٩٦ ، إلى ٣٠٠٠٠ ، مخفضا عدد العرب إلى ٧٠٠٠. وروى الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٧٣ ، عن ابن اسحاق أن عدد المقاتلين ٦٠٠٠٠. راجع أيضا : Wel ـ. Ihausen, Skizzen und Vorarbeiten, VI, p. ٧٧ أما البلاذري ، فتوح ، ص ٢٥٦ ، فيذكر رقم ١٢٠٠٠٠ مقاتل فارسي.
[٣] الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٥٣ (سيف) ، وص ٥٧٥ (ابن اسحاق).
[٤] وجد سعد أسلحة بقلعة العذيب. ولا بدّ أن الثلاث سنوات السابقة التي قضيت في شن الحملات ، مكنت العرب من الحصول على عدد من الأسلحة : الطبري ، ج ٣ ، ص ٤٩٢.
[٥] المرجع نفسه ، ص ٥٠٩.
[٦] المرجع نفسه ، ج ٣ ، ص ٥٢٣.