نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٣٣١ - ٢٤ ـ الكوفة والمدن المنشأة بالعراق قبل بغداد
فهي إذن ثمرة لإرادة السلطة الأموية في العراق ـ بمعنى إرادة الحجاج ـ في التخلي عن البيئة العربية المحيطة به ، وإنشاء مقر للحكم والاحتلال أو نحوه ، في محيط معاد. الواقع أن واسط قامت إلى جانب حاضرة أهلية قديمة هي كسكر ، وحافظت على تميزها فأنشئت على شاطىء دجلة الغربي ، في حين أن المدينة القديمة كانت تقع إلى الشرق. إنما جرى الإبقاء على ما كان من صلة بينهما ، فشيد جسر من المراكب ، وثبتت وحدة المدينة بتمامها شيئا فشيئا ـ أي المدينة القديمة والجديدة ـ وتراكبت هكذا على النهر كما كان الأمر في بابل [١]. على أن مدينة الحجاج حافظت مدة على ذاتيتها التي كان السور يرمز إليها ويجسمها [٢]. ولم يكن للمدينة الجديدة إلا أن تأخذ بعين الاعتبار التجربة الحضرية التي استوعبها العرب بوادي الرافدين. كان جهد البناء هاما ، وقد تجاوز المحاولات الأولية وهيأ للأعمال الكبرى الأولى في العمارة العربية التي سيدشّنها الوليد. ولقد أتى هذا المجهود في فترة تأكيد الذات في الميدان الفني ، في فترة تحول طرأ على الحضارة العربية الباحثة عن أسلوب لها ، ومجد تسجله على الحجر أو الآجر. فظهرت القبة الخضراء المعروفة [٣] التي قلدها المنصور فكانت حدثا فنيا مع أن قبة الصخرة سبقتها في الوجود. هذا وإن بنية النواة المركزية كانت من النوع الكوفي : كان القصر يفتح على المسجد ، وقامت غير بعيد من ذلك أسواق متخصصة [٤]. مع الفارق أن البناء تم على نطاق أعظم ، ولا شك أنه كان أكثر تهذيبا. كانت أقيسة القصر المربع [٥] ، ٤٠٠ ذراع* ٤٠٠ ذراع ، وكان المسجد أصغر من ذلك (٢٠٠* ٢٠٠). إن هذه الأقيسة مساوية تماما لما سيتم في بغداد وأكثر مما كانت عليه في الكوفة. كانت السوق غير بعيدة عن القصر ، وعالية التخصص [٦] وقيل أنها كانت متسعة كثيرا. لكن عدد الصنائع المذكورة في المصادر غير هام جدا [٧] ، وهذا دليل واضح على الفارق الموجود بين الأهداف التي قصدها الحجاج وواقع الاستقرار.
وقد فرضت الأمور تسلسلا مع الكوفة ، في تصور المركز هذا. لكن كافة الأشياء
[١] اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص ٣٢٢ ؛ ابن رسته ، الأعلاق النفيسة ، ص ١٨٧.
[٢] كتاب البلدان ، ص ٣٢٢ ، تحدث المؤلف عن مدينة قديمة ومدينة جديدة وعن إحاطة السور بالمدينة الجديدة فقط. ومن المعلوم أن ابن هبيرة قاوم فيها حصارا مضروبا عليها. وتحدث بحشل عن سورين وخندق : ص ٤٣ ، وذكر ياقوت خندقين وسورا : مادة «واسط».
[٣] فتوح البلدان ، ص ٢٨٨ ؛ كتاب البلدان ، ص ٣٢٢ ؛ الأعلاق النفيسة ، ص ١٨٧. ولم يرد ذلك في كتاب التاريخ.
[٤] التاريخ ، ص ٤٣.
[٥] ياقوت ، مادة واسط ؛ Grabar, art. cit., p. ٥٠١; Lassner, ouvr. cit., pp. ٣٣١, ٩٨١
[٦] التاريخ ، ص ٤٤ : معلومات هامة.
[٧] ذكر بحشل عشر صناعات ، وكان التفوق للصرافين.