نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٩٢ - ٢٠ ـ الاستمرارية،الإضافات والابتكارات
والمصادر نفسها لا تخول لنا وضع السماسرة في بيع الرقيق أو النخاسين في الكناسة كما فعل ماسينيون أيضا دون برهان [١]. ويكفي ما روي صراحة بخصوص مسلمة بن عبد الملك الذي هدد ببيع بني المهلب رقيقا بعد ثورة يزيد (سنة ١٠٢ ه) [٢] في دار الرزق ، للتدليل على أن هنا لا بالكناسة كانت تعقد مثل هذه الصفقات المرتبطة بالحرب ، وبالدور الاقتصادي التوزيعي للدولة ، المتركز بدار الرزق فعلا.
وبقدر ما كان هذا المخزن الكبير للدولة يوزع على فترات منتظمة المنتوجات الغذائية على السكان العرب في شكل أرزاق ، فقد كان على هؤلاء السكان خزنها والاستغناء بذلك عن نقاط البيع بالمفرّق داخل خطط القبائل ، إذ لم يرد ذكرها بالمرة. وهكذا نجد أسواقا كبرى ومؤسسة عمومية تشرف عليها الدولة من جهة ، وشكلا اقتصاديا عائليا من جهة أخرى ، فضلا عن نشوء أسواق جديدة خارج الكوفة ، حين بدأت المدينة تزدهر. كان أسد بن عبد الله القسري شقيق خالد ، واليا على خراسان مدة ، فأمر ببناء قرية وسوق في منطقة الكوفة. وسمي هذا المركّب (سوق أسد) باسم السوق الدورية أو الدائمة. وقال البلاذري إنه «نقل إليها الناس» ، مضيفا أنها كانت معسكره أصلا ، عند توليه خراسان [٣]. إن هذه المدينة ـ السوق التي تدور في فلك الكوفة ، أنشئت إنشاء إراديا ، وكانت في آن مستقلة ومرتبطة بوجود الكوفة. ولها مقابل في إنشاء يوسف بن عمر لسوق يوسف في الحيرة بالذات [٤].
وقد استرجعت هذه المدينة العربية القديمة الموجودة قبل الإسلام عنفوانها في عصر هذا الوالي (١٢٠ ـ ١٢٦) ، واعتاد الولاة الإقامة بها حتى فترة ابن هبيرة ، بحيث يمكن التساؤل عما إذا لم تصبح لحين المقر غير الرسمي للحكم في العراق ، الأمر الذي يبين إرادة الابتعاد عن الكوفة والاقتراب منها في آن ، بالتخلي عن واسط. وبدون أن نقول إن «أرباض» الكوفة صارت تمتد حتى الحيرة ، وهي ظاهرة سوف ترى فيما بعد أي في القرن الثالث كما أثبتته آثار الحفريات ، فإنه يمكننا التأكيد أن الحيرة دخلت في فلك الكوفة سنة ١٠٠ ه ، فأصبحت تعيش ملتحمة بها. لقد ولى الزمن الذي كانت تؤثر تأثيرا عميقا على المصر ، من حيث الهندسة المعمارية والكتابة والصياغة (كانت سوق الصاغة من الحيرة) والخزف والتقنيات المصرفية والصيرفة [٥] ، مع بقائها منعزلة لأنها كانت مقرا لشكل عروبي
[١] Ibid.,p.٣٥.
[٢] الطبري ، ج ٦ ، ص ٦٠٢.
[٣] فتوح البلدان ، ص ٢٨٤ ؛ ابن الفقيه ، ص ١٨٣ ؛ ياقوت ، ج ٣ ، ص ٢٨٣.
[٤] ابن الفقيه ، ص ١٨١ ، ياقوت ج ٣ ، ص ٢٨٥.
[٥] Massignon ,op.cit.,p.٩٤.