نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٥٤ - ١٧ ـ الكشف عن الكوفة ثورة المختار
والمرجح أن ذلك قد تم انطلاقا من الفرات. ولا شك أن السواقي أقيمت في عصر متأخر خلال حكم الأمويين ، وهو تأخير له مغزاه أيضا ويطفح بالغفلة وقلة الوعي. وقد تحدثت عن مثل هذا المصادر بخصوص العصر الأول في بغداد. لقد وجب تذكير المنصور بضرورة إمداد المدينة بالماء بصورة منتظمة [١]. ولعل كثرة الماء المستساغ هنا وهناك ، في الكوفة كما في بغداد ، قد أغنى عن التفكير في الأمر ، خلافا للوضع الذي ساد البصرة [٢]. الواقع لا محالة أن الهدف الرئيسي للحصار الذي ضربه مصعب على المختار ، يتمثل في القضاء على كل مقاومة تصدر عن المختار ، فعمل على تعطيشه.
هناك شهادات ملموسة عجيبة في قوتها وتلونها ؛ لقد وزّع مصعب رجاله على النقط الاستراتيجية في الكوفة لقطع «الماء والغذاء» عن المحاصرين في القصر. إنه حصار مدينة عزلاء بلا أسوار ، وقد تم في بادىء الأمر حصار القصر عن بعد ، أي في السبخة وجبانة السبيع أو الصائديين حسب المصادر ، وفي الكناسة وفي جبانة كندة [٣] : «ولربما رأيت خيل عبيد الله (ابن الحر) قد أخذت السقاء والسقائين فيضربون ، وإنما كانوا يأتونهم بالماء إنهم كانوا يعطونهم بالراوية الدينار والدينارين لما أصابهم من الجهد ، وكان المختار ربما خرج هو وأصحابه فقاتلوا قتالا ضعيفا ، ولا نكاية لهم ، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت ويصب عليهم الماء القذر. واجترأ عليهم الناس ، فكانت معايشهم أفضلها من نسائهم فكانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللطف والماء ، قد التحفت عليه ، فتخرج كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة ، وكأنها تأتي أهلها وتزور ذات قرابة لها ، فإذا دنت من القصر فتح لها فدخلت على زوجها وحميمها بطعامه وشرابه ولطفه ، وإن ذلك بلغ لمصعب وأصحابه ، فقال له المهلب وكان مجربا : اجعل عليهم دروبا حتى تمنع من يأتيهم من أهليتهم وأبنائهم ، وتدعهم في حصنهم حتى يموتوا فيه» [٤]. وكان القوم إذا اشتد عليهم العطش في قصرهم استقوا من ماء البئر. ثم أمر لهم المختار بعسل فصب فيه ليغيّر طعمه فيشربوا منه ، فكان ذلك أيضا مما يروي أكثرهم [٥].
إنه نص من نوع المنتخبات الأدبية يتضمن عالما قائما بذاته تلتقطه أبصارنا ، عالم المرأة الاجتماعي والبشري. وهو لا يختلف كثيرا عن العصور القريبة منا. كانت النسوة مقنعات
[١] الخطيب في كتاب Lassner ، ص ٥٨.
[٢] Massignon,» Explication du plan de Basra «, Opera Minora, III, p. ٢٦ ـ ٤٦. ؛ كذلك أشار شارل بيلا إلى مشكلة الماء في أطروحته :.Ch.Pellat ,art.» Basra «,E.I. / ٢
[٣] الطبري ، ج ٦ ، ص ١٠٤ ـ ١٠٥.
[٤] وقال البلاذري أن الأمر وقع : أنساب الأشراف ، ج ٥ ، ص ٢٦١.
[٥] الطبري ، ج ٦ ، ص ١٠٥.