نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٤٨ - ١٧ ـ الكشف عن الكوفة ثورة المختار
قرب جبانة بشر التي كانت لخثعم [١].
هناك قضية تطرح فعلا بخصوص خثعم ، لو رمنا أخذ خريطة سيف مأخذ الجد. كانت خثعم قبيلة يمنية مرموقة ولم تذكر على هذه الخارطة ، لكنها شاركت في حرب القادسية ، ويحتمل أن عدد أفرادها كان قليلا ، إذ لم يذكر أي رقم بشأنهم. وقد قاموا بدور كبير في أثناء انتفاضة حجر بن عدي [٢] ، وقدموا الدعم للمختار ووقفوا ضده. كانت لهم جبانة شهيرة معروفة بجبانة بشر وهو إسم لأحد أبطال القادسية [٣] ، وقد تأكد أن الجبانة كانت أحد الأماكن الكبرى لتجمع اليمنية ، مثل جبانة كندة ومراد. كانت بجيلة تلحق بهم فيها [٤] ، بصفتهم من أقدم الإخوان لهم ، منذ عصر الجاهلية [٥]. فهل أفسحوا لهم مكانا في خطتهم الكبيرة التي زادت اتساعا بعد رحيل أحمس؟ لا يبدو أن الأمر كما ذكر ، لأن قول أبي مخنف «ساروا إليهم» [٦] ، يفرض مسبقا وصراحة تمييزا في السكن ، كما أن السياق يوحي بالجوار واستمرار علائق القربى السابقة. وعلى هذا ، ينبغي تحديد مقام خثعم بمكان تغلب ، والأمر الأرجح كثيرا أن يكون ذلك في خطة جديدة كبيرة حددت أثر التخطيط الأول دائما في الركن الشمالي الغربي ، وربما في خطة طيء كما أوحى اليعقوبي بذلك؟ وبصورة عامة ، إذا قطعنا بخط وهمي الكوفة قطعتين ، أي الكوفة شمالا والكوفة جنوبا ، يظهر القسم الشمالي أكثر كثافة سكانية ، وأشد هيكلة ، بقطائعه المتراصة وشوارعه الضيقة. وهذا ما يتجلى من شهادة أحد رؤساء قيس ، نعني شمر بن ذي الجوشن الذي أقام شرقا ودعي لنجدة اليمنية في جبّانة السبيع. فرفض نجدتهم معللا رفضه بأنه يتعذر عليه القتال في السكك الضيقة [٧]. وكأن الأمر قد تعلق في هذا الباب بخاصية تميزت بها منطقة الكوفة الشمالية ـ ونحن ندرك ذلك من قوله علما بأنه كانت هناك من البداية ، خمس طرق كبرى ارتبطت بخمس خطط ، تقابلها أربع طرق في الجنوب وثلاث في الشرق والغرب فقط [٨]. لا شك أن هذه المساحة المسماة بظهر الكوفة في جهتها الغربية ، كانت لها جاذبية ارتبطت ببعض
[١] كتاب البلدان ، ص ٣١٠.
[٢] الطبري ، ج ٥ ، ص ٢٦١.
[٣] بشر بن ربيعة : فتوح البلدان ، ص ٢٨١ ؛ والجمهرة ، ص ٣٩١.
[٤] الطبري ، ج ٦ ، ص ٤٥.
[٥] كتاب الاشتقاق ، ص ٥١٥. ينحدر كلاهما من الأنمار وهي مجموعة قريبة من نزار ، لكنها كانت تقع بموقع ربيعة : ومضر بالذات ثم اعتبروا من اليمنية. راجع كذلك البكري ، معجم ما استعجم ، ج ١ ، ص ٢٩٨ ؛ ابن الكلبي ، ورقة ٥٣.
[٦] الطبري ، ج ٦ ، ص ٤٥.
[٧] الطبري ، ج ٦ ، ص ٤٦ ؛ أنساب الأشراف ، ج ٥ ، ص ٢٣٢.
[٨] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.