نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٣٣ - ١٦ ـ التمدن والتنظيم
وبقيت همدان وكندة وثقيف وبجيلة ومذحج والأزد وجهينة وتميم وأسد ، في مواقعها الأولى قطعا كما ذكرها سيف ومهما قال ماسينيون [١].
وبما ان الأعشار ـ القبائل أقامت ، بموجب القرعة ، بأماكن قررتها الصدفة ، وبما أن الاختلال العددي الواضح بينهما ظهر من وقت مبكر جدا [٢] ، وجب أن يعاد النظر في هيكلة التنظيم العسكري الجبائي وعقلنته : فظهرت الأسباع التي أقامها عمر [٣] ، وحوّرها علي ، والتي بقيت حتى ولاية زياد. ولم يكن الأمر متعلقا «بمناطق عسكرية» بل بوحدات لتجنيد المقاتلة بإمرة رؤساء ولّتهم السلطة وبوحدات لتوزيع العطاء الذي يسلّم للقادة جملة ، وكانوا يسلّمونه بدورهم إلى العرفاء [٤]. الواضح أن الانطلاقة لم تبدأ من المعطيات المكانية ، يعني من توزيع الخطط التي كثيرا ما كانت تتحاور فيها قبائل لا يربط بينها ماض مشترك في سكنها السابق وكانت متباعدة جدا ، في عملية إنشاء الأسباع. فحصل التجميع ، بمقتضى علاقات النسب. كان المقصود من ذلك المحافظة على التلاحم في التجنيد والقتال وبالتالي فإن السبع لم يحقق جوارا أو أي تقارب مكاني إلا في بعض الأحيان وفي بعض الأماكن : ربما في الجبّانات أو خارج الكوفة في «نقط التجمع» بالنسبة للكوفة [٥]. على أن مؤثرات هذا الأمر على جغرافيا الخطط لم تكن في رأينا منعدمة ، ولا سيما أن القبائل الكبرى قد عملت أحيانا على جذب قبائل صغرى قريبة النسب وضعيفة العدد ، فترجم الانتساب إلى السبع ذاته عن طريق الاندماج في الخطة مكانيا. ولنذكر على سبيل المثال كندة وحضرموت [٦] وهمدان وحمير [٧] وتميم وهوازن.
كانت الخطة تعني تضامنا بشريا واعيا حيا يستمر فيه ويدوم الكيان القبلي القديم ، وذلك باعتماد القبيلة في واقع الأمر ، لكن السبع كان تصورا مؤسساتيا حافظ لا محالة على صلات الدم الأكثر اتساعا. وفي عهد زياد أدخل الربع [٨] تبسيطات أقوى مما كان للخارطة القبلية لأسباب سياسية ، فكان يجاور بين مجموعة قبلية متشاحنة (تميم وهمدان وأيضا كندة
[١] Massignon ,art.cit.,p.٤٤.
[٢] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٨.
[٣] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٤٨ ؛.Massignon ,p.٤٤ لكن المؤكد أن السبع السابع الناقص لا يخصّ طيئا ، إنه يخصّ بكرا.
[٤] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٤٩.
[٥] Massignon ,p.٩٣ ؛ وراجع لا حقا.
[٦] الطبري ، ج ٤ ، ص ١٣٢.
[٧] المرجع نفسه ، ج ٦ ، ص ٢٤٧.
[٨] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٨ وج ٥ ، ص ٢٦٨.