نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢٢٨ - ١٦ ـ التمدن والتنظيم
يحتمل أن ذلك كان على سبيل الهبة الاستثنائية لبعض الصحابة. وقد تضارب في القول بهذا الخصوص البلاذري واليعقوبي عندما ذكرا قائمة الدور.
يقول البلاذري : «وبنى فيها عمرو بن حريث المخزومي بناء ، وكان زياد يستخلفه على الكوفة إذا شخص إلى البصرة ثم بنى العمال فيها فضيقوا رحابها وأفنيتها» [١]. كان المقصود بالذات الكوفة عامة لا المركز بصورة خاصة ، ويظهر أن الأمر لم يكن يعدو تمليك الأراضي العراء بصفة متفرقة ، وفارق الطرق والرحاب ـ الكثيرة كما هو معلوم ـ التي كانت توسع المجموعة السكنية. الواقع أن قول البلاذري يكتسي مدلولا آخر بمقارنته وتعليقه بما ورد في كتب أخرى ، سواء كانت روايات أبي مخنف [٢] أم قائمة اليعقوبي ، وهو يفيد في فهم البقية.
توجد دار عمرو بن حريث فعلا في الوسط تماما [٣] ، غير بعيدة عن القصر ، ومن المرجح أنها كانت تقع في الرحبة. كان ابن حريث من أكبر أغنياء الكوفة ، وكان قرشيا مقربا من السلطة ، وكان بالفعل يساعد زيادا ثم ابنه عبيد الله فليس مستبعدا أن يصير قدوة بخصوص البناء في المركز. لكن ما ينبغي التدليل عليه أنه كان أول من فعل ذلك ، وأن الوليد بن عقبة الذي كان واليا في خلافة عثمان ، لم ينتزع هذا الامتياز قبله ، فضلا عن أن الدور التي روى أنها كانت تقع في المركز العمومي ، قرب المسجد والقصر ، أو في الرحبة والأسواق ، كانت مملوكة لصفوة المسلمين بالمعنى الواسع أكثر مما كانت للعمال أنفسهم.
وبذلك نجد اليعقوبي يتحدث عن دار عبد الله بن مسعود وطلحة بن عبيد الله وعمرو بن حريث «حول المسجد» ، وغير بعيد عنه توجد دار سلمان بن ربيعة الباهلي والمسيب بن نجبة وهو أحد قادة حركة التوابين [٤]. ويبدو أن خالد بن عرفطة أحد حلفاء سعد بن أبي وقاص وقد كان من كبار القادة في فتح العراق كان يملك مع سعد نفسه دارا في هذا المركز [٥]. هذه عودة إلى الماضي. لكن روي أن دار المختار بن أبي عبيد كانت أيضا ملاصقة لحائط المسجد [٦]. ويمكن التساؤل بخصوص دار الأشعث بن قيس ، لكن الثابت
[١] فتوح البلدان ، ص ٢٧٥ ـ ٢٧٦.
[٢] انظر لاحقا.
[٣] الطبري ، ج ٦ ، ص ١٩ يروى عن أبي مخنف أنها تقع في «وسط السوق» لا في الرحبة.
[٤] كتاب البلدان ، ص ٣١٠ ؛ بخصوص المسيب بن نجبة ، راجع الطبري ، ج ٥ ، ص ٥٥٢ و ٥٥٣ و ٥٦٢ و ٥٨٤ و ٥٩٠ و ٥٩٣ و ٥٩٤ و ٥٩٦ و ٦٠٠.
[٥] كتاب البلدان ، ص ٣١٠ ؛ وأنساب الأشراف ج ٥ ، ص ٢٣٧ ـ ٢٧٦. والطبري ، ج ٦ ، ص ٤٧ و ٦١ وج ٧ ، ص ٤١٧ : ذكر دار عمر بن سعد ، التي لا بد أنها ورثت عن سعد.
[٦] الطبري ، ج ٣ ، ص ٥٦٩ ؛ ولا سيما معجم البلدان الذي ذكر الأمر بوضوح ، ج ٤ ، ص ٤٩٣.