نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ٢١١ - ١٤ ـ قوة الماضي الإرث العربي القديم
الكوفة ، إلا اندراجا قليلا في خط يثرب الجاهلية ، التي كانت عبارة عن سلسلة من الواحات المبعثرة. بل يندرج أساسا في عمل الرسول ذاته ، المؤسس لدلالات حاسمة ولأعمق رمزية للمدينة المسلمة التي جعل منها هيكلا إسلاميا مؤسّساتيا لا مدينة فحسب ، بل مدينة بالمعنى السياسي. (Politeia)
وإتماما لهذا التصور ، يحسن بنا الإشارة إلى أن أسواق «المدينة» التي نقلها الرسول ونظمها ، كانت هي النموذج لأسواق الكوفة ، وليس الأسواق المحيطة بمكة التي كانت بمثابة معارض. ويصعب في هذا المقام تقييم العمل التجديدي الذي قام به الرسول : فلعل نقل سوق بني قينقاع [١] قد جرى في اتجاه المركزية ، لكن الأرجح هو وجود عزيمة تنظيمية ستبقى فيما بعد ، وقد ظهرت في مأسسة سوق يثرب القديم [٢]. والملاحظ أيضا وجود تعددية الأسواق [٣] بيثرب وهي ظاهرة ستبقى في أية مدينة إسلامية ، ووجود تقليد واضح لعله تأتىّ من الحضور اليهودي بخصوص ظاهرة السوق المدنية كمؤسسة دائمة تغذي الحياة الإنسانية اليومية. صحيح أنه وجدت سوق داخل مكة ، لكن الأمر الأهم هو قيام السوق ـ المعرض خارج مكة والتي لها دور كبير في اقتصاد القوافل العابرة لبلاد العرب. والذي لا يقبل الشك أن الرسول فرّق بوضوح بين التجارة [٤] والصلاة أي بين السوق والمعبد قاطعا بذلك مع تقليد الشرق كله. فضلا عن أن الإسلام مدّن السوق العربية بأن أقامها في قلب المدينة ذاتها ، مع العلم أن السوق المحيطة بالمدينة الجاهلية قد بقيت ، كما سنرى ، بالكناسة في الكوفة وبالمربد في البصرة.
وهكذا نرى كيف أن الحضارة العربية التي شكلت المدينة فيها المحور المشع ، تدين للإرث العربي الخاص الذي توفرت فيه التقاليد المدنية والتراكيب المتينة المقاومة ، مثلما تدين للعمل الخلاق الذي قام به الرسول. هذا العمل النبوي الذي استمد بدوره كثيرا من ثقافته الحيوية ، ثقافة قريش أولا ، وكذلك ثقافة كل الجهات في بلاد العرب. إن القرآن نفسه يشكل الذاكرة الرائعة للأمة العربية. إذ استرد الماضي كله ، ماضي سبأ وماضي الحجر لكنه تجاوزه برؤية كونية وإلهية لتاريخ البشرية.
وهكذا ندرك ظهور إرادة عنيدة في الوجود وجهدا يتجه إلى الحضارة وتيارا توحيديا ،
[١] وفاء ، ج ٢ ، ص ٧٤٧.
[٢] المرجع نفسه ، ج ٢ ، ص ٧٤٧ ؛ فتوح البلدان ، ص ٢٨.
[٣] وفاء ، ج ٢ ، ص ٧٤٧. كانت هناك بطحاء أيضا ، وهي عبارة عن سوق للدواب على شاكلة الكناسة : المرجع نفسه ، ج ٢ ، ص ٧٥٤.
[٤] W.Heffening ,art.» tidjara «,E.I. / ١. ، ولعل هذا التمييز يرجع إلى الفرس.