نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٧٥ - ١٣ ـ قوة الماضي الشرق والهلينية وامتداداتهما
يخضع لعقلانية هندسية. وتنطبق هذه الدوافع الثلاثة بصورة فريدة على العرب الذين خرجوا من بلادهم وبنوا الكوفة الأولى : التهيؤ للتقبل ، وصورة المعسكر (لا بالمعنى الذي جعل المعسكر يتحول من ذاته إلى مدينة ، كما رأينا ذلك) ، وجدة الإنشاء. لم يكن مخططوهم يشعرون أنهم كانوا يصنعون البابلي الجديد والهليني والفارسي والروماني ، لكنهم غرفوا ، غير واعين ، من تراث أفكار دون أن يكون لهم تصور مرئي واضح. ولربما يتم استيقاظ الجانب الأكثر مسخا من الماضي ويتم رجوع العتيق إلى الوجود ، حين يخلق الجديد إذ هي فرصة لا تعوض بالنسبة إليه ، ليرجع بقوة. وهكذا حدث وثوب فوق العصور الساسانية في اتجاه بابل وربما في اتجاه الهلينية ، وقد امتزجتا امتزاجا مبهما ضمن تراث مشترك. هكذا فعل الرومان الذين خطوا مدنهم بالمحراث تخطيطا شعائريا [١] ، إذ كانوا يرددون دون علم به ، تقليدا أتروسكيا نابعا من أعماق الجذور الشرقية لهذا الشعب [٢]. فمن الممكن أن احتفظت الجزيرة العربية بفضل اتصالها بالشرق بمحاولات عتيقة تخلى الشرق نفسه عنها ، وذلك بالضبط لوضعيتها الهامشية عنه.
إن الفرس والرومان شعبان وريثان. لقد اعتمدا أصلا نماذج مهيئة في بوتقة الحضارات التي خضعت لهما ، لكن دون أن يخلو ذلك من زاد أصيل. من هنا انتشار هذه النماذج انتشارا ممتازا ، ومن هنا حدثت تركيبات وانحرافات. لكن لم يجر اللحاق بالركب أبدا. حين صمم الفرس القاهندز ـ يعني القلعة المركزية المحصنة ـ وأبدعوا فيها ، فقد توسعوا بذلك في النموذج العتيق الآشوري ـ البابلي ـ الجديد في السوس كما في همذان ، وفي اصطخر كما في بابل التي جددوا بناءها ، لكنهم عدلوا في طيسفون وفي درابجرد عن الشكل المربع لصالح الشكل المستدير المستمد من إرثهم بالذات ، أو من ارث «الأورارتو» ، أو لعل الأمر تعلق برجوع النمط المصري أو الشامي الأناضولي. وكذلك الرومان فإنهم روجوا في الشرق نموذج المدينة الهلينية التي صارت مثالهم الأعلى [٣]. لكنهم لم يوفقوا أبدا بأن يجعلوا من روما حاضرة مكتملة نظيفة مضاءة [٤] متسقة ، كما كانت أنطاكية. إن انتظام المدن الرومانية خارج إيطاليا مقتبس من التقليد الهلينستي في الشرق ، ومن التقليد الأتروسكي في العالم الغربي. وعلى هذا النحو لم يقم الفرس والرومان كل في ميدانه بعمل ابتكاري
[١] Mumford ,p.٧٦٢.
[٢] Le ? on Home ,p.٤٢ ؛ ويرى ارنست بلوخ «أن المعمار الرّوماني أخذ عن الأتروسك الصبغة الهندسية الكوسمية .. وبعد قرن من Vitruve رجع المعمار الروماني إلى التراث الهندسي الكوسمي للأتروسك» :. Ernest Bloch, Ouvr. cit., p. ١٤٣.
[٣] Mumford ,pp.٦٥٢ ff.
[٤] Le ? on Homo ,p.٢٨٥.