نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١٣٧ - ٨ ـ بنية المجال الداخلي الحزام السكني أو الخطط
للسكن ، وما طرأ من تصلب على ترتيب القطائع ، وهو ما يتضارب مع نسق الطرق المهوى جيدا ما عدا الأزقة مما أدى إلى ظهور مصاعب فورية.
روى سيف أن الأعشار استقروا في هذا الحزام السكني [١] ، أي الوحدات الكبرى في معركة القادسية ، في حين أن «مواضع» خصصت للمقاتلين الذين كانوا يحرسون الثغور ، وقد غابوا عن الكوفة (ولا سيما عبس) [٢]. لكن ها أن الروادف بدأوا يتوافدون ، وقد كانوا من المهاجرين الذين جاؤوا حديثا ، على دفعتين متواليتين ، منذ خلافة عمر [٣]. وضاق المكان على المقيمين الأوائل في الحال ، وذلك دليل على أن الخطط حددت بصفة كبيسة ، وأن مجال السكن كان كثيفا عموما إلى حد الشطط. وقد تبين فورا أنه كان لا يكفي ، وما عقّد الوضع كثيرا أن العرب لم يكونوا يتصورون أي تجمع للسكن خارج إطار العشيرة والقبيلة عموما. وأدى هذا إلى إدخال التحويرات والتنقلات والمبادلات ، في مستوى العشيرة والقبيلة. فإذا ما تكاثر المهاجرون الجدد المنتمون إلى عشيرة أو مجموعة من العشائر المستقرة سابقا ، فإنهم يجذبون إليهم أبناء عمومتهم الذين يتخلون عن دورهم ويلحقون بهم حيث يقيمون [٤] ، أي خارج مجال الخطط ، وربما بالأطراف أو في الفجوات الكبيرة. من البديهي أن هذا قد حصل لاستحالة توسيع مجال السكن وقد حصره نسق الطرق ولأنّ عرضه محدود ، ولأنّه يتفرع إلى قطائع أو خطط غير قابلة للاتساع ـ نظرا لوجود عشائر أو قبائل أخرى مجاورة وهي بصورة قسرية محددة ـ فتظهر بمظهر الوحدات الثابتة الصلبة أو الأراضي القبلية التي لا يمكن عبورها. وخلافا لذلك ، حيث يكون الروادف قليلي العدد ، فإن رجال عشيرتهم يجلبونهم إليهم ، ويفسحون لهم المجال ولو أدى ذلك إلى الضيق ، بعد مراجعة تهيئة مجالهم ، وإما بإقرارهم في مكان المغادرين إذا أسعفهم الحظ وكانوا من أجوارهم [٥]. فهل كانت تنقلات من الصنف الأول تبين سبب إقامة أحمس ، إحدى عشائر بجيلة الكبرى ، قريبا من الجبانة [٦] ، بحيث أقاموا بعيدا عن مجموع القبيلة ، وأنّ تميما وأسدا وعبسا تجمعوا في الطرف الغربي [٧] ، أي من جهة الكناسة [٨] ، حيث يوجد مجال أوسع
[١] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٢] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٤٤.
[٣] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٤] الطبري ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٥] المرجع نفسه ، ج ٤ ، ص ٤٥.
[٦] اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص ٣١١.
[٧] المرجع نفسه ، ص ٣١١.
[٨] كتاب الأغاني ، ج ١٥ ، ص ١١٠ ؛.Massignon ,op.cit.,p.٣٥ ;