نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة : الكوفة - هشام جعيط - الصفحة ١١٨ - ٧ ـ بنية المجال الداخلي المدار المركزي
السنوات الأولى من تأسيس الكوفة حيث شاع عدم الاستقرار ، وحيث صمم كل شيء بالنظر للعمليات العسكرية في العراق والشام ، فلم يذكر الطبري الآري إلّا عندما تعرض للنجدات التي وجهها أهل الكوفة إلى حمص [١]. وما هو ذو دلالة أيضا أن اليعقوبي رتب إقطاع الآري هذا بين جملة من الإقطاعات الأخرى التي وهبها عمر لكبار الصحابة ، وهي إقطاعات صالحة لبناء دور تقع داخل المساحة المركزية [٢]. في الإمكان أن يدور النقاش حول واقعها التاريخي ، وفيما يخصني لا أعتقد أنه كان صحيحا ، نظرا لأن فكرة القطيعة تبدو استثنائية في خلافة عمر ، في حين أن اليعقوبي يتحدث عنها وكأنها ظاهرة عادية متصلة بالخطط القبلية ذاتها. ومن الواضح أيضا أن كل ما ينسبه اليعقوبي أو يكاد في هذا الميدان ، إلى المبادرة الشخصية وما يشبه الملكية عند عمر ، كان نتيجة لتطور طويل ظهر بعد ذلك. لكن الأهمية المتعلّقة بتحديد مكان الآري ضمن المساحة العمومية تكمن في كونه يرتبه عن خطأ أم لا ، ضمن مجموعة الإقطاعات التي تمت بدون استثناء في المساحة المركزية أو في المدينة. وبذلك يكون الآري في الصحن تماما ، بمكان ما جنوب القصر والمسجد [٣] ، يقع حسب المرجح في زاويتين بالجنوب الغربي والجنوب الشرقي ، وهو مقسوم إلى نصفين. على أنّه من الصعب أن نعرّف وظيفة الآري بأنّه مرعى مفتوح ، بل الأولى أن يكون مكانا لتجميع الخيل. الواقع أن سيفا لم يستخدم كلمة رعى بل استعمل (يشتّيها) لكي يكون دقيقا [٤] ، وقابلها بخصوص العاقول بكلمة «يربّعها». إنّ المعجم العربي مرتبط بنمط الحياة الرعوية ، فتمادى في واقع مغاير ، هو واقع الفضاء الضيق الثابت الموظف إلى أقصى حد. وبذلك يشكل الآري حظيرة للخيل تقع في المساحة المركزية كعنصر للتنظيم العسكري المدرج في المجال إدراجا تاما دقيقا [٥].
دلالة المركز :
قلنا إن الحركة الرمزية التي سطرت حدود المساحة المركزية لم تكن تتصف بشيء من القداسة ، بل بشيء عريق في القدم. وهي التي دحرت إلى ما وراء الصحن الحياة الدّنيوية
[١] الطبري ، ج ٤ ، ص ٥٠ ـ ٥١.
[٢] كتاب البلدان ، ص ٣١٠ ـ ٣١١.
[٣] هذا ما يمكن استنتاجه من التحديد اللاحق لدار أبي موسى الأشعري (إلى الجنوب الشرقي) ، ومسجد بني مخزوم من قبيلة عبس : الطبري ، ج ٦ ، ص ١٠٥ ـ ١٠٦.
[٤] الطبري ، ج ٤ ، ص ٥٢.
[٥] كلمة آري مأخوذة عن الفارسية آريات التي تعني «الحبل الطويل الذي يربط الماشية على خطّ واحد. راجع :. Desmaisons, Dictionnaire Persan ـ franc ? ais, Paris, ٨٠٩١, I, p. ٠٦. ومن الواضح أن المقصود هنا هو الفسحة المسيّجة حيث تجمّع الخيل. وقد بقي اللّفظ في اللهجات المغربية ليعني الاصطبل.