الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٧٦

فإذا نظر إليهم باللّه، عزّ و جلّ، و بقوته و تدبيره: فمما يعجب؟.

و باللّه التوفيق.

مسألة تدل على ما ذكرنا، قلت: فما تقول في عبد كان لا يتكلم، و لا يتحرك، و لا يعمل عملا، إلا طولب عليه في ذلك و وجد النقصان؟ و لحقته الفترة و القسوة في أوقات نيله و أكله و شربه، و كذلك في جميع أحواله، ثم صار إلى حال يتكلم و يتحرك في الأمور؛ و يقبض و يبسط، و يأكل و يشرب، و لا يستوحش، و لا يجد مطالبة، و لا يرى نقصا كما كان يراه قبل؟.

فقال: «هذه مسألة حسنة فافهمها، فما أحوج المريدين العمال إليها».

اعلم إن المريد الطالب للصّدق: فهو عامل في جميع أموره بالمراقبة للّه، عزّ و جلّ: بالقيام على قلبه، و همه و جوارحه، بالمحاسبة:

«فهو: جامع لهمه حذرا من أن يدخل في همه ما لا يعنيه، حذرا من الغفلة».

فالحركات، في ظاهر جوارحه بجوارحه: تنقصه، و الهمم الداخلة عليه في قلبه:

تكدر همه، فهو عند ذلك يتفرغ من الحركات التي ذكرت، و إن كانت في حق و بحق، و ذلك لما غلب على قلبه: من محبته: أن يكون ذكره: دائما، و همه: واحدا.

فإذا دام على ذلك: تفطن قلبه، و صفت فكرته، و سكن النور قلبه و قرب من اللّه تعالى، فغلب على قلبه و همه!.

فعند ذلك: يتكلم، و القلب يغلي بالذكر للّه، عزّ و جلّ و قد كمنت‌[١] في سويداء[٢] قلبه. محبة اللّه تعالى، فهي لازمة للضمير لا تفارقه.

فمن شأنه في سرائره: أن يكون ناعما بالمخاطبة للّه الخفية، و المطالعة الشجية و المحادثة الشهية.

و هكذا يكون في أكله، و شربه، و نومه، و كل حركاته، لأن قرب اللّه تعالى، إذا تمكن في قلب العبد: غلب على ما سواه: من باطن عوارض الهمم، و ظاهر حركات الجوارح، فعندها يكون العبد ذاهبا و جائيا، و آخذا و معطيا، و الغالب عليه هم ما قد ملك ضميره من محبة اللّه عزّ و جلّ و قربه.

ألم تر نفسك، أيها المريد: كيف تملك قلبك أحيانا هم من أمر الدنيا، فيسلبك عن كل شي‌ء، حتى يكدر عليك العيش، فتكون ساهيا إلا عن ذلك، حتى تفقد النوم؟!.


[١] - كمن في المكان كمونا: توارى.

[٢] - السّويداء من القلب: حبته و مهجته.