الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٧١

تعرفه، و ذكرك قبل أن تذكره، و أحبك قبل أن تحبه، فهاج منك الآن، الشكر له على أياديه، فألزمت قلبك المحبة على أياديه، فآثرته، و ارتاحت روحك إليه، فألفت قربه، فصرت الآن إليه تأوي، و في قربه تسكن، فهو لا يغيب عنك و لا تفقده، ذاهبا و جائيا، و قائما و قاعدا، و يقظانا و راقدا، و على كل حال.

أما سمعت ما يذكر عن النبيّ، صلّى اللّه عليه و سلم، حين يقول:

«تنام عيناي و لا ينام قلبي»[١].

و كذلك المؤمنون على أقدارهم.

فما أعظم شأنك أيها العبد و أجل خطبك، إذ كان السّيد الكريم الكبير المتعال الغني الحميد، ذكرك ذكرا بعد ذكر، فخصك، فأجزل لك العطية، إذ دّلك على محبته فآثرته، فكان هو بغيتك و مرادك، و منتهى رغبتك، و ليس منك شي‌ء تملكه للعباد، و لكنها:

موهبة، و هي: أوّل أعلام الوصول إلى الراحة: يكون اللّه: مراد العباد لا غيره.

و من علامة ذلك: أن يكون هو الحافظ عليك، ما استودع قلبك من ذكره و مودته، و أوجدك من قربه، و تعطف عليك ببره، فسامحك الآن، فسقطت عنك حركات الطلب للظفر أو التقرب، إلا حركة تهيّج منك الآن: شكرا له على أياديه، و إيجابا لحقه و ألفة[٢] له غيره، و التنعم بمناجاته، و لذة خدمته، و ما أراد فيك: من تعبدة بمشيئته، ليريك موضع قدرته، و اختلاف أحكامه عليك لتفقه عنه، و أنت في ذلك: واجد لقربه، و غير متشاغل بحركاتك، و لا طالب منه عليها جزاء و ثوابا، كما أراد العبّاد الزهاد، و لكن تعمل للّه تعالى، حبّا و كرما، لأنه خلقك كرما، و استعملت بأخلاق الكرماء.

و باللّه التوفيق:

و هذا الآن: جواب لك آخر، على مسألتك، حين قلت: هل يصير العبد إلى حال يفقد مطالبة الصّدق من نفسه؟ و هي علامة الواصلين، فافهمها.

أما علمت، أيها المريد: أن الورع و الزّهد، و الصبر، و التوكل، و الخوف، و الرجاء، و المراقبة، و الحياء، و المحبة، و الشوق، و الأنس، و الصّدق في المواطن،


[١] - أخرجه البخاري في( الصحيح ٤/ ٢٣٢)، و أبو داود في السنن( الطهارة ب ٨٠)، و الهيثمي في( موارد الظمآن ٢١٢٤)، و عبد الرزاق في( المصنف ٣٨٦٤)، و ابن خزيمة في( الصحيح ٤٨)، و القاضي عياض في( الشفا ٢/ ٢٢٧)، و صاحب( مناهل الصفا، ١٣)، و المتقي الهندي في( كنز العمال ٣١٩٠٠، ٣٢٢٤٩)، و الألباني في( السلسلة الصحيحة ٦٩٦).

[٢] - الألفة: الاجتماع و الالتئام. و الصداقة و المؤانسة.