الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٤٦ - باب الصدق في الحياء من اللّه، عزّ و جلّ

و الثالثة: ذكرك لوقوفك بين يدي اللّه، عزّ و جلّ، و مساءلته إياك عن الصغير و الكبير.

قلت: فما الذي يشيّد الحياء و يقويه؟

قال: «الخوف للّه، عزّ و جلّ، عند الهوى الخاطر الواقع في القلب! فيفزع القلب، و يستوحش عندما يعلم أن اللّه تعالى، يرى ما فيه فيثبت الحياء من اللّه، فإذا دام على ذلك زاد الحياء و قوي».

قلت: فالذي يولد الحياء ما هو؟

قال: الفزع من أن يكون اللّه تعالى، عنه معرضا و له ماقتا، و لفعله غير راض.

قلت: فما الغالب على قلب المستحي من ربه؟

قال: إجلال رؤية من يراه، فحينئذ يهاب اللّه، عزّ و جلّ، و يستحي منه.

قال أبو سعيد، رحمه اللّه تعالى: سمعت بعض المريدين سأل بعض أهل المعرفة.

قال: ما علامة هيبة اللّه في قلب العارف باللّه؟

قال: إذا استوى عنده الأفعى و الذباب.

قلت: فبم يضعف الحياء؟

قال: بترك المحاسبة و ترك الورع.

قلت: فكيف أحوال المستحي في نفسه؟

قال: طول الخشوع و دوام الإخبات‌[١]، و تنكس الرأس، و انحصار الطرف، و قلة النظر إلى السماء، و كلال اللسان عن كثير من الكلام، و الفزع من التكشف في الخلاء، و ترك العبث و الضحك، و الحياء عند إتيان ما أباحه اللّه، فكيف بذكر عارض، مما نهى اللّه تعالى عنه؟

و الناس يتفاوتون في الحياء على قدر قرب اللّه تعالى، منهم و قربهم منه.


[١] - أخبت إلى ربه: خشع و تواضع. فهو مخبت.