الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٦٤
ركوب طريق الصدق، و عزم على بذل المجهود، و صبر للّه تعالى، و كابد نفسه، و استعان باللّه تعالى: فنظر اللّه تعالى، إليه راغبا فيما لديه، حريصا على أن يرضيه، و عاد عليه عند ذلك بلطفه و عونه، فسهل عليه العسير: مما استصعب من نفسه، و أبدله بالمرارة حلاوة، و بالثقل خفة، و بالخشونة لينا و دعة، فسهل عليه قيام الليل، و صارت المناجاة للّه تعالى، و الخلوة بخدمته له: نعيما بعد شدة المكابدة، و صار الصيام، و الظمأ في الهواجر[١]: خفيفا عليه، حين ذاق عذوبة ما رجا من روح اللّه تعالى، و حسن عاقبته.
و كذلك: تبدلت و سهلت: الأخلاق، و الأحوال، عليه، حين قام له من كل مقام عاناه و كابده للّه تعالى، التماس رضاه عوض مكانه من الخير، فتغيرت عند ذلك أخلاقه، و انتقل طبعه، و هدأت نفسه، و انتعش عقله، و سكنه نور الحق فألفه، و نفر عنه الهوى و طفئت ظلمته، فصار، عند ذلك الصدق و أخلاقه: طبعا له، لا يحسن غيره، و لا يألف إلا إياه، و لا يسكن إلى غيره، و اكتنفته[٢] العصمة من ربه.
فضعف عند ذلك كيد عدوه، و صار مغلوبا، حين ماتت دواعيه: من الباطل، و كلّ[٣] سلاحه، بموت الهوى و انقياد النفس، حين تخلقت بأخلاق المرحومين.
قال اللّه، جلّ ذكره، حين أخبر عن يوسف، ٧: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [يوسف: ٥٣].
فأنفس الأنبياء و الصديقين، :: مرحومة، و كذلك كل مؤمن على حسب قوة إيمانه، فسقطت، عند ذلك، عن العبد، معاناة الصدق، و ثقل العمل به، فصار عاملا بالصدق الذي ذكرناه، و أكثر بأضعاف كثيرة بلا مؤنة، بل صار ذلك نعيما و غذاء، إن تركه توحش من تركه و تفزع من فقده، فصار الصدق و أخلاقه: صفة له، لا يحسن غيرها، حتى كأنه لم يزل كذلك.
و مصداق ذلك في الكتاب و السنة: موجود.
قال اللّه تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ٦٩ [العنكبوت: ٦٩].
و قال، عزّ و جلّ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
[١] - الهواجر:( ج) الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر.
[٢] - اكتنف القوم الشيء: أحاطوا به.
[٣] - كلّ السيف و نحوه: لم يقطع. فهو كليل.