الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٦٣
ألم تسمع لقول اللّه، عزّ و جلّ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧].
و يقال في الحديث: «فيعطون ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر»[١].
و هكذا: كل قوم على أقدارهم.
و منهم: من لا تنقضي كرامته: من ثواب اللّه تعالى، و من النعيم في الجنان، و منهم من لا تنقضي كرامته من اللّه تعالى، و الزيادة: من بره و النظر إليه.
و قد صح الخبر عن النبيّ، صلّى اللّه عليه و سلم، أنه قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة: من ينظر في ملكه ألفي عام يرى أقصاه كما يرى أدناه»[٢].
و منهم: من ينظر إلى وجه اللّه، جلّ و عزّ، كل يوم مرتين.
و محال أن يكون هؤلاء سواء، أو كان علمهم في الدنيا سواء.
قال جلّ ذكره: وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ [الإسراء: ٥٥].
فلم يقع التفضل على الخلق إلا بفضل علمهم باللّه تعالى و المعرفة به، ثم على قدر هذا الأنس: تفاوتوا في الدنيا و الآخرة.
و باللّه التوفيق.
قلت: فهل يصير العبد إلى حال يفقد مطالبة الصدق من نفسه، و يسقطه عنه مؤنة الأعمال، و أثقال الإخلاص، و مؤنة الصبر، و يكون عاملا بالصدق: فأخذ مما ذكرت و أكثر بلا اشتغال و لا تعب؟
قال: نعم، ألم تسمع الحديث الذي يروى: «إن الجنة حفت بالمكاره و حفت النار بالشهوات»[٣].
و يروى في خبر آخر: «إن الحق: ثقبل مريء، و إن الباطل: خفيف و بيء»[٤].
و النفس: مجبولة بحب هذه الدار و السكون إليها، و حب الدعة و الراحة فيها.
أما الحق، و اتباعه، و العمل به، و الصدق، و أخلاقه: فذلك كله هو: خلاف محبوب النفس.
فإذا عقل العبد عن اللّه تعالى و فهم ما دعاه إليه: من العزوف، عن هذه الدار الفانية، و الرغبة في الدار الباقية، حمل عند ذلك نفسه على احتمال المكاره: من
[١] - أخرجه البخاري( تفسير سورة ٣٢)، و ابن ماجه( زهد ٣٩).
[٢] - أخرجه ابن كثير في( التفسير ٥/ ٣١٩).
[٣] - أخرجه الهيثمي في( مجمع الزوائد ١٠/ ٢٣٥).
[٤] - أخرجه ابن عساكر في( تهذيب تاريخ دمشق ٥/ ١٣٨).