الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٦١

ابن عمر، و لم يرد عليه جوابا، ثم لقيه عبد اللّه بعد ذلك، فقال له: «إنك كلمتني في الطواف، و نحن نتخيل اللّه بين أعيننا».

فالمستأنس: كأنه ينظر إلى ما اشتاق إليه المشتاق:

و يروى عن عبد الواحد بن زيد البصري، رحمه اللّه تعالى، أنه قال لأبي عاصم الشأمي، رضي اللّه عنه و رحمه: أما تشتاق إلى اللّه تعالى؟

قال: «لا، إنما تشتاق إلى غائب؛ فإذا كان الغائب شاهدا فإلى من تشتاق؟» فقال عبد الواحد: سقط الشوق:

و روي عن داود الطائي‌[١]، رحمه اللّه تعالى- و كان من المسلمين الذين أجمعوا على صدقه و عدالته- قال أيضا: «إنما تشتاق الغائب».

قال بعض العلماء، رحمه اللّه: و إنما قالوا: هذا من حقائق الوجود لقرب اللّه، عزّ و جلّ، كأنهم معه، إذ كان معهم شاهدا لا يغيب، و ذلك من اللّه تعالى، تسكين و تطمين و رحمة و راحة، عجلها لهم في الدنيا، و إلا فما الذي وصل إليهم من اللّه، عزّ و جلّ، من قربه؟!

فمن علامة المستأنس باللّه تعالى، و بقربه: أن يكون واجدا لذكر اللّه عزّ و جلّ، في قلبه، واجدا لقربه منه: لا يفقده على كل حال، و في كل وقت و كل موطن، و يكون اللّه، عزّ و جلّ و قربه السابق إليه قبل الأشياء، و ذلك إذا سكن قلبه نور قرب اللّه تعالى، منه فبه ينظر إلى الأشياء، و به يستدل على الأشياء.

و هكذا يروى عن عامر بن عبد اللّه، رضي اللّه عنه، أنه قال: «ما نظرت إلى شي‌ء قط إلا كان اللّه تعالى، أقرب إليّ منه».

و من صفات المستأنس: أن يكون متبرما بالأهل و الخليفة كلهم، مستعذبا[٢] للخلوة و الوحدة، و يكون في البيت المظلم متبرما بالمصباح إذا رآه، بل يجيف بابه و يسبل ستره و يواحد قلبه، و يألف مليكه، فيكون به أنيسا، و بمناجاته متنعما، و يكون‌


[١] - داود الطائي( توفي ١٦٥ ه- ٧٨١ م).

داود بن نصير الطائي، أبو سليمان، من أئمة المتصوفين. كان في أيام المهدي العباسي. أصله من خراسان و مولده بالكوفة. رحل إلى بغداد، فأخذ عن أبي حنيفة و غيره، و عاد إلى الكوفة، فاعتزل الناس، و لزم العبادة إلى أن مات فيها. و له أخبار مع أمراء عصره و علمائه.

الأعلام ٢/ ٣٣٥، وفيات الأعيان ١/ ١٧٧، و الجواهر المضية ٢/ ٥٣٦، و حلية ٧/ ٣٣٥، و تاريخ بغداد ٨/ ٣٤٧.

[٢] - استعذب الرجل: طلب الماء العذب.