الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٦٢

متفرغا من طارق يطرقه فينغص عليه خلوته، ثم تراه مستوحشا من ضوء الشمس إذا دخل عليه في صلاته، و يتثاقل تلقاء الخلق، و يملهم، و يكون لقاؤهم و مجالستهم عليه غراما و خسارا، فإذا جنه‌[١] الليل، و نامت العيون و هدأت الحركات، و سكنت حواس الأشياء، خلا عند ذلك‌[٢] ببثه، فهاج شجوه‌[٣]، و تصاعدت أنفاسه، و طال أنينه، و تنجز الموعود من مأموله، و ما قد غذاه من فوائده و ألطافه، فظفر عند ذلك ببعض سؤله، و قضى بعض أوطاره.

و كذلك المستأنس: تذهب عنه الوحشة في المواطن التي يفزع فيها الناس، فيستوي عنده العمران و الخراب، و القفار[٤]، و الجماعة و الوحدة، و ذلك للذي استولى عليه: من قرب اللّه عزّ و جلّ، و عذوبة ذكره؛ و يغلب ما سواه: من العوارض الظاهرة و الباطنة.

فهذا ظاهر الأنس الذي يمكن أن يذكره، و ما بقي من مقامات الأنس أكثر و أعز من أن يكون في كتاب، إلا أن يجري منه شي‌ء عند المذاكرة مع أهله.

و باللّه التوفيق.

و اعلم أيها السائل عن الصدق و شرحه: أن الذي ذكرته لك: إنما هو ظاهر الصدق، و الصبر، و الإخلاص الذي لا يسع الناس جهله، و لا ترك العمل به؛ خاصة المريدين من الناس، الطالبين لسلوك سبيل النجاة.

و من الناس: من لا يكون له عند اللّه تعالى، إلا هذا العلم الظاهر و العمل الظاهر، فيفعل في ذلك و يصدق فيه، فيؤديه ذلك إلى رحمة اللّه تعالى، و نوابه، و له عند اللّه خير كثير.

و من الناس: من يصدق في هذه المقامات التي ذكرناها و أكثر، فيؤديه ذلك في عاجل الدنيا إلى المقام الرفيع، و العلم باللّه، و المقام الشريف، فيصير إلى الروح و الراحة، و النّعمة بمعرفة اللّه، عزّ و جلّ، و الظفر بقرب اللّه تعالى، و الوصول إلى المنزلة الشريفة، التي يدق وصفها و شرحها.

و قال بعض العلماء باللّه، تعالى: إن اللّه يكرم أولياءه بكرامة لا يطلع عليها العباد، لا في الدنيا و لا في الآخرة.


[١] - جنّ الليل: أظلم.

[٢] - البثّ: أشد الحزن الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه.

[٣] - الشّجو: الهم و الحزن و الحاجة.

[٤] - القفار: القفر: هو الخلاء من الأرض. و أرض قفر، أو قفرة: خالية.