الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٣٩ - باب الصدق في التوكل على اللّه عزّ و جلّ
قلت: فمن قال؛ أتوكّل على اللّه لأكفى؟
قال: لا يخلو هذا القول من معنيين:
معنى: أن يكفيه مؤنة الجزع و الهلع، لا أنه يتحوّل عنه شيء قد قدره اللّه عليه أن ينزل به، بالتوكل.
فهذا: قولنا و قول من أثبت القدر.
و من قال: إنه يكفيه ما استكفاه لا محالة مثل قوله: لا يأكلني السبع لتوكلي، و الذي يأتيني بطلب يأتيني بلا طلب، فالتوكل يدفع عنّي إذا استكفيته كل مؤنة كنت أخافها، فليس يعجبنا هذا القول؛ لأن المتوكل: قد يكفى و قد لا يكفى و توكله غير ناقص.
قلت: مثل ماذا؟ اشرح لي من ذلك شيئا.
قال: نعم، حيث ذبحت يحيى بن زكرياء: امرأة جبارة في طشت[١]، ألم يكن متوكلا؟!
و حين نشر زكرياء، صلوات اللّه عليه، بالمنشار ألم يكن متوكلا؟!
و كذلك الأنبياء؛ :، قتلوا و نيل منهم المكروه، و هم أقوى الخلق يقينا و أصدقه.
و هذا محمد، صلّى اللّه عليه و سلم، حين هرب إلى الغار هو و أبو بكر، رضي اللّه عنه، فاختبأوا فيه، و حين كسر المشركون رباعيّته[٢]، صلّى اللّه عليه و سلم، و أدموا وجهه ألم يكن متوكلا؟.
أفلا ترى أنّ التوكل إنما هو: الاعتماد على اللّه، عزّ و جلّ، و السكون إليه، ثمّ التسليم بعد ذلك لأمره، يفعل ما يشاء؟!
و هكذا: روي عن عبد اللّه بن مسعود، رضي اللّه عنه: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق: ٣] قال: قاض أمره: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق: ٣].
قال: أجلا و منتهى ينتهي إليه العبد، و ليس المتوكل بالذي يقول: تقضى حاجتي.
فهذا تفسير ابن مسعود، رضي اللّه عنه: يخبر أن المتوكل على اللّه: هو الذي يلجأ إلى اللّه، تعالى، و يعلم: أنه لا يتم شيء إلا من قبل اللّه، تعالى، الذي يعطي و يمنع بقدرته.
[١] - الطّشت: إناء كبير مستدير من نحاس أو نحوه لغسل الأيدي( ج) طشوت( يذكر و يؤنث).
[٢] - الرّباعية: السّنّ التي بين الثنية و الناب و هي أربع: رباعيتان في الفك الأعلى، و رباعيتان في الفك الأسفل( ج) رباعيات.