الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٨ - باب الصدق في الإخلاص

باب الصدق في الإخلاص الثاني‌

و هو الذي أمر اللّه تعالى به، حين يقول:

فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف: ١١٠].

فمن شرح ذلك: أن يكون العبد يريد اللّه، عزّ و جلّ، بجميع أعماله و أفعاله، و حركاته كلها ظاهرها و باطنها، لا يريد بها إلا اللّه وحده، قائما بعقله و علمه على نفسه و قلبه، راعيا لهمه، قاصدا إلى اللّه تعالى، بجميع أمره، لا يحب مدح أحد و لا ثناءه، و لا يفرح بعمله- إذا اطّلع عليه المخلوقون- فإن عارضه من ذلك شي‌ء اتقاه بالسرعة و الكراهية، و لم يكن إليه، لكن إذا أثنى عليه أحد، حمد اللّه على ستره عليه حين وفّقه لخير رآه العباد عليه.

نعم ثم يخاف عند ذلك، من عمله الردي‌ء، و سريرته القبيحة، التي خفيت على الناس و لم تخف على اللّه، فأشفق من ذلك؛ و خاف أن تكون سريرته أقبح من علانيته.

فهكذا يروى في الحديث:

«السريرة إذا كانت أقبح من العلانية فذلك الجور، فإذا استوت السريرة و العلانية فذلك العدل، و إذا فضلت السريرة على العلانية فذلك الفضل».

فالواجب على العبد: أن يخفي عمله جهده حتى لا يطلع عليه إلا اللّه تعالى، فذلك أبلغ في رضا اللّه، عزّ و جلّ، و أعظم في تضعيف الثواب، و أقرب إلى السلامة؛ و أوهن لكيد العدو، و أبعد من الآفات.

و روي عن سفيان الثوري‌[١]، رحمه اللّه، أنه قال: «ما أعبأ بما يظهر من عملي».


[١] - سفيان الثوري( ٩٧- ١٦١ ه- ٧١٦- ٧٧٨ م).

سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة، من مضر، أبو عبد اللّه، أمير المؤمنين في الحديث. كان سيد أهل زمانه في علوم الدين و التقوى. ولد و نشأ في الكوفة، و راوده المنصور العباسي على أن يلي الحكم فأبى، و خرج من الكوفة سنة ١٤٤ ه فسكن مكة و المدينة. ثم طلبه المهدي، فتوارى و انتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا. له من الكتب--« الجامع الكبير» و« الجامع الصغير» كلاهما في الحديث و كتاب في« الفرائض» و كان آية في الحفظ. من كلامه: ما حفظت شيئا فنسيته. و لابن الجوزي كتاب في مناقبه.

الأعلام ٣/ ١٠٤، ١٠٥، و ابن خلكان ١/ ٢١٠، و ابن النديم ١/ ٢٢٥، و طبقات ابن سعد ٦/ ٢٥٧، و حلية الأولياء ٦/ ٣٥٦ ثم ٧/ ٣، و تهذيب التهذيب ٤/ ١١١- ١١٥، و تاريخ بغداد ٩/ ١٥١.