الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٦٥

اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‌ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور: ٥٥].

و قال عزّ و جلّ: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ‌ [القصص: ٥، ٦].

و قال عزّ و جلّ: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: ٢٤]، أي: عن الدنيا.

و إنما أردنا أن نثبت المجاهدة للنفوس، و بذل الجهد في الصدق.

ثم إن المعونة من اللّه: تأتي من بعد ذلك، و الحجة في ذلك: قائمة في السنن.

قال ابن عباس، رضي اللّه عنهما، في تفسير سورة «طه» قال: معنى «طه»: يا رجل، بلسان الحبشية: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‌ ٢ [طه: ٢] قال: لتعنى به.

أفلا ترى: أنه حين قام، صلّى اللّه عليه و سلم، للّه، عزّ و جلّ، شكرا، حتى تورمت قدماه شكرا للّه تعالى، فأمره بالهدوء؟

و قد روي: «أنّ النبي، صلّى اللّه عليه و سلم، كان يتعبد في جبل حراء[١] الشهر و أكثر».

و كذلك يروى: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم: كان يحرس و يحفظ من عدوه، حتى نزلت هذه الآية: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‌[٢] [المائدة: ٦٧] فنحى الحرس تصديقا لقول اللّه، عزّ و جلّ، حين ذكره له: أن يعصمه، فأيقن و سكن، صلّى اللّه عليه و سلم.

و كذلك المؤمنون: يأتيهم اليقين بعد الضعف، و كذلك النبيّ، صلّى اللّه عليه و سلم: كان يخرج إلى الغار بالجبل الذي يقال له: ثور[٣] و يختبئ هو و أبو بكر الصديق، رضي اللّه عنه، ثم يخرجان إلى المدينة هاربين في السر.

و هذا: إنما كان وقت البلوى من اللّه تعالى، له؛ إذ كان، ٧، في مقام الصبر و المجاهدة، ثم من بعد ما صار إلى المدينة، ٧، تغزوه قريش يوم وقعة أحد، فتقتل أصحابه، و تكسر رباعيته ٧، و يدمى وجهه.


[١] - حراء: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال، و هو معروف، و كان النبي صلّى اللّه عليه و سلم قبل أن يأتيه الوحي يتعبد في غار من هذا الجبل، و فيه أتاه جبرائيل ٧.( معجم البلدان ٢/ ٢٣٣).

[٢] - أخرجه ابن سعد في( الطبقات الكبرى ١/ ١/ ١١٣)، و الزبيدي في( إتحاف السادة المتقين ٧/ ١٠٢)، و السيوطي في( الدر المنثور ٢/ ٢٩٨)، و ابن كثير في( التفسير ٣/ ١٤٤).

[٣] - ثور: اسم جبل بمكة فيه الغار الذي اختفى فيه النبي صلّى اللّه عليه و سلم( معجم البلدان ٢/ ٨٦).