الصدق، أو، الطريق السالمة - أبو سعيد الخراز البغدادي، أحمد بن عيسى - الصفحة ٧٤

و على حسب ذلك كان، صلّى اللّه عليه و سلم.

و كذلك العارف باللّه، القريب من الأشياء، الموفق في كل حال يحل فيها بما يكون فيها: بخلاف غيره من الناس.

ثم على هذا القياس، و في هذا بلاغ لمن فهم و تدبر.

و باللّه التوفيق.

قلت: متى يألف العبد أحكام مولاه، و يسكن في تدبيره و اختياره؟.

قال: الناس في هذا: على مقامين، فافهم:

فمن كان منهم: إنما يألف أحكام مولاه، ليقوم بأمره الذي يوصله إلى ثوابه، فذلك حسن، و فيه خير كبير، إلا أن صاحبه: يقوم و يقع، و يصبر مرة و يجزع أخرى، و يرضى و يسخط، و يعبر و يراجع الأمر، فذلك: يؤديه إلى ثواب اللّه و رحمته، إلا أنه معنى في شدة و مكابدة.

و إنما يألف العبد أحكام مولاه، و يستعذب بلواه، و يسكن في حسن تدبيره و اختياره بالكلية بلا تلكؤ[١] من نفسه: إذا كان العبد: آلفا لمولاه و لذكره، و هو له محبّ وادّ، و به راض، و عنه راض.

فهل يكون، أيها السائل، على المحب مؤونة فيما حكم عليه محبوبه؟ كيف؟

و إنما يتلقى ذلك بالسرور و النعيم!!.

هكذا قال في الخبر: حتى يعد البلاء نعمة و الرخاء مصيبة.

و قال في خبر آخر: غنية الصديقين: «ما زوي عنهم من الدنيا».

و روي عن اللّه، عزّ و جلّ، في بعض ما أنزل من كتبه: أنه قال: «معشر المتوجهين إليّ بحبي، ما يضركم ما نابكم من الدنيا، إذا كنت لكم حصنا، و ما يضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلما؟!».

فمن كان مع اللّه، عزّ و جلّ، بهذه الأحوال في المواطن، كيف يكون إلا على نحو ما ذكرناه!!.

و لقد قال بعض العلماء باللّه تعالى، و أهل القرب منه: إن القوم الذين ذكرنا بعض أحوالهم: لا يرضون من أنفسهم أن تكون تقاوم الأمور عند حلولها، و الأحداث عند نوازلها، حتى تتمكن من قلوبهم، فيحتاجون أن يصبروا عليها أو يرضوا بها، بل الصبر و الرضا لهم: تابع مضاف، لأنهم طالبوا من أنفسهم: صحة الشغل باللّه تعالى،


[١] - تلكّأ عن الأمر و فيه: تباطأ و توقّف.