الأجوبة النجفية في الرد على الفتاوي الوهابية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١٣٣ - المبحث الثالث في وجه الإلزام بالبيعة
وقال غير ذلك مما هو نص في المطلوب أو ظاهر فيه، وما ذكرناه صريح في الدلالة على عدم جواز إكراه كل أحد لكل أحد على التدين بدينه حتى ولو كان صاحب الدعوة الإسلامية صلى الله على ذاته وصفاته.
وهكذا أمر يحكم به العقل والوجدان ويعضده الدليل والبرهان، وقد اهتدى إليه الأغيار والأجانب فصاروا يدعون إلى أديانهم ونحلهم بإرسال الدعاة والمبشرين ويتوسّلون إلى التدين بديانتهم بوسائل أدق من السحر وأخفى من السرّ، ولو كانوا يرون أن للسيف والسنان أثراً في جلب القلوب وقلب الاعتقادات لاستعملوها في ذلك لأنهم اليوم أقوى وأقدر من غيرهم ممن خالفهم في الديانة على امتشاق الحسام والقهر والإرغام، وقد تخيل بعض أعداء الدين أن ما جرى في صدر الإسلام من الحرب والغزو والقتل والقتال إنما كان إكراها على الدين وقهراً عليه وإلزاماً به فوصموا دين الإسلام (وحاشاه) بأنه دين إكراهي همجي وجعلوا ذلك من أكبر المطاعن عليه، وقد أخطأوا الغرض وجهلوا الحقيقة أو تجاهلوها فإن الإسلام لم يشرّع القتال وسفك الدماء للإكراه على الدين وكفى بما مرّ من الآيات شاهداً على ذلك، وإنما كانت حروب المسلمين كما لا يخفى على من اطلع على السير المأثورة إما لأن المشركين كانوا يبدؤنهم بالقتال ويعتدون عليهم كما في القرآن الشريف: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)[١])، أو لأن المشركين كانوا يمنعونهم من الدعوة ويقفون في وجهها أو لغير من الأسباب المسوغة للحرب عند الأمم المتمدنة. وخلاصة القول: إن القتال لم يكن إلا دفاعاً عن الحق وأهله وحماية للدعوة وأهلها ممن أرادهما بسوء وإلا إزاحةً للعثرات التي يضعها المشركون في سبيل إعلانها ونشرها.
إن الإسلام لم يقم إلا بالآيات البينات والبراهين والمعجزات، ومن زعم أنه قام بالسيف فقد افترى عليه أو جهله. إن الإسلام هو الرحمة العامة والنعمة التامة، وهو
[١] سورة التوبة: ١٣.