الأجوبة النجفية في الرد على الفتاوي الوهابية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٤٥ - المسألة الثالثة
ما روي عن الصادق (ع) من أنّه قال: (أما زيارة القبور فلا بأس بها ولا يبنى عندها مساجد)[١]، فالظاهر و الله العالم أنّ المراد النهي عن بناء مواضع بإزائها يكون السجود فيها إلى القبور وإن أفتى بعض علماء الحديث منا بكراهة بناء المساجد عند القبور وظاهره خلاف ما ذكرناه ولكن يمكن أن يراد من عبارته ما أريد من النص فتأمل. وعلى أي حال فالصلاة حول القبر عن يمينه أو شماله عابداً بها الله تعالى وحده لا تستلزم كون القبر مسجداً بجميع المعاني الثلاثة حتى لو كان في قبلة المصلي لأن المنهي عنه جعله قبلة يسجد إليه على أن يكون المقصود استقباله بالسجود لا كونه في قبلته كما لعله هو مستند فتوى الإمام الشافعي بكراهة استقبال القبر و المنع في
خصوص استقبال قبره (ص)[٢]. و أفتى العلامة الحلي (بكراهة الصلاة على نفس القبر تكرر الدفن فيه والنبش أولا إلا أن تمازجه بنجاسة متعدية فتحرم. وقال الشافعي إنْ تكرر الدفن فيه ونبش بطلت صلاته لأنه صلى على النجاسة لمخالطته صديد الموتى ولحومهم وإنْ كان جديداً لم ينبش كره للنهي)[٣]. ثم لا يخفى أنه ورد من طريق أهل السنة أنّه (ص) قال: (لا تتخذوا قبري مسجداً)[٤] للنهي عن اتخاذه قبلة يسجد له ويعبد وهو نهي في الحقيقة عن عادة المقبور من دون الله.
و الحاصل أنا لو سلمنا أن المراد بالنهي عن اتخاذه مسجداً المنع من اتخاذه محلًا للعبادة فلا تجوز العبادة لله و الصلاة له في بيت هو فيه، وإنّه إذا صلى فيه ولو صلاة واحدة فقد اتخذه مسجد فالجواب أن المنع إنما هو من اتخاذ خصوص قبره (ص) وقبور الأنبياء دون قبور غيرهم من الأئمة و الأولياء و الصلحاء، أو لعل ذلك من خواص الأنبياء فلا وجه لتسرية الحكم إلى كل قبر لأن ذلك موقوف على عموم الموضوع وليس فليس، ولو سلمنا استفادة العموم من أي وجه يكون فالجواب إن هناك أحاديث صحيحة عن أهل البيت (ع) تتضمن استحباب الصلاة حول قبورهم وزيادة فضلها وهي أخص من حديث المنع فيخصص بها ذلك العام فإنّه ما من عام إلا وقد خص، هذا ويحتمل أن يكون معنى الحديث النهي عن جعل القبر مسجداً في جميع الآثار و الأحكام بحيث يجري على المشهد جميع ما يجري على المسجد من الأحكام قد يختلفان في بعض الأحكام كالاعتكاف وغيره فبعد هذه الاحتمالات وصلاحية اللفظ لها كيف يشدّد النكير على المصلي في مشهد أو مرقد، ويرمى بالكفر والشرك في العبادة معاذ الله؟.
[١] المصدر نفسه: ١/ ١١٤
[٢] ينظر: تذكرة الفقهاء/ العلامة الحلي: ٨٧
[٣] المصدر نفسه: ٨٧
[٤] تحفة الفقهاء/ السمرقندي: ١/ ٢٥٧.