سنن القيادة الإلهية في التاريخ - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣٨ - ١ ٤ سنة الغيبة في القيادة الإلهية
الثانية: أن يكون تمهيداً لقيام المجتمع العادل، وذلك عندما يخرق نظام العدل الإلهيّ، ويخرج عن طاعة القيادة الإلهيّة؛ ولكنّه- رغم ذلك- لم يفقد قابليّة التمهيد لقيام المجتمع العادل، وهنا تأتي «سنّة الإمهال»؛ لكن بشرط إمكانيّة التمهيد للمجتمع الصالح؛ بأن لا يفقد المجتمع البشريّ أهليّته للتغيير والإصلاح، وأن تظلّ الفرصة فيه باقية لكي يرجع إلى الصواب؛ ولو في أجياله اللاحقة. أمّا إذا فقد المجتمع هذه الأهليّة، فسوف يفقد المبرّر الّذي يؤهّله لكي يتنعّم في هذا الكون بنعمة الوجود وغيرها من نعم الله الّتي لا يمكن أن تتجاوز حدود الحكمة والعدل، الّتي تأبى الظلم والفساد في الأرض.
وهذه هي السنّة الّتي نفّذتها الإرادة الإلهيّة بشأن قوم نوح عَلَى نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَعَلَيْهِ السَّلَام حين رفضوا نظام العدل، وخرجوا عن طاعة الرسول، وتجذّرت فيهم حالة الطغيان، حتّى فقدوا صلاحيّة التمهيد لقيام المجتمع العادل، وانعدمت فيهم كلّ القابليّات الّتي تؤهّلهم- حتّى على المدى البعيد- للرجوع إلى نظام العدل، والعودة إلى حظيرة الطاعة والنصرة للقيادة الإلهيّة. وهذا ما نجده بوضوح في ما صرّح به القرآن الكريم من تاريخ قوم نوح؛ إذ قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً ٥ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ٦ وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ٧ ثُمَّ إِنِّي