الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٣٤
نجران إن أسلمتم فإني أحمد اليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب ، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية من الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية ، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب والسلام ، فلما قرأ الاسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً ، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له : شرحبيل بن وداعة فدفع إليه كتاب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقرأه ، فقال له الاسقف : ما رأيك ؟ فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسمعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل ؟ ليس لي في النبوة رأي ، لو كان رأى من أمر الدنيا أشرت عليك فيه ، وجهدت لك ، فبعث الاسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران فكلهم قالوا مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة ، وعبد الله بن شرحبيل وجبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم.
فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فسألهم وسألوه فلم نزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى بن مريم ؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى اخبركم بما يقال في عيسى صبح الغد ، فأنزل الله هذه الآية : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) إلى قوله : (فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ، فأبوا أن يقروا بذلك ، فلما أصبح رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة ، وله يومئذ عدة نسوة ، فقال شرحبيل لصاحبيه : إني أرى أمراً مقبلاً إن كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعنّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له : ما رأيك ؟ فقال : رأيي أن احكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً ، فقالا له : أنت وذلك ، فتلقى شرحبيل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك ، قال : وما هو ؟ قال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز ، فرجع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يلاعنهم ، وصالحهم على الجزية.
وفيه أخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر اليشكري ، قال : لما نزلت هذه الآية : (فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ) الآية ، أرسل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين ، ودعا اليهود ليلاعنهم ، فقال شاب من اليهود : ويحكم أليس عهدتم الأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير ؟ لا تلاعنوا فانتهوا.