الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٥٥
حرمة هذا البيت ووجوب تعظيمه الثابت في شريعة إبراهيم عليهالسلام وينتهي بالآخرة إلى جعله سبحانه وتشريعه.
وكذا ما وقع في دعاء إبراهيم المحكي في قوله تعالى : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً) إبراهيم ـ ٣٥ ، وقوله : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً ) البقرة ـ ١٢٦ حيث سأل الأمن لبلد مكة فأجابه الله بتشريع الأمن وسوق الناس سوقاً قلبياً إلى تسليم ذلك وقبوله زماناً بعد زمان.
قوله تعالى : (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) الحج بالكسر ( وقرئ بالفتح ) هو القصد ثم اختص استعماله بقصد البيت على نهج مخصوص بيِّنه الشرع ، وقوله : سبيلاً تمييز من قوله : استطاع.
والآية تتضمن تشريع الحج إمضائاً لما شرع لإبراهيم عليهالسلام كما يدل عليه قوله تعالى حكاية لما خوطب به إبراهيم : (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ الآية ) ، الحج ـ ٢٧ ، ومن هنا يظهر أن وزان قوله : (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ) « الخ » وزان قوله تعالى : (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ) في كونه إخباراً عن تشريع سابق وإن كان من الممكن أن يكون إنشاء على نحو الامضاء لكن الأظهر من السياق هو الأول كما لا يخفى.
قوله تعالى : (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) ، الكفر هيهنا من الكفر بالفروع نظير الكفر بترك الصلوة والزكوة فالمراد بالكفر الترك. والكلام من قبيل وضع المسبب أو الأثر مقام السبب أو المنشأ كما أن قوله : ( فإن الله غني ) « الخ » من قبيل وضع العلة موضع المعلول ، والتقدير : ومن ترك الحج فلا يضر الله شيئاً : ( فإن الله غني عن العالمين ).
( بحث روائي )
عن ابن شهرآشوب عن أمير المؤمنين عليهالسلام : في قوله تعالى : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ الآية ) فقال : له رجل أهو أول بيت ؟ قال لا قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً ، فيه الهدى والرحمة والبركة. وأول من بناه إبراهيم ، ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش.