الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٢٧٤
أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ـ ٨٠.
( بيان )
وقوع الآيات عقيب الآيات المرتبطة بأمر عيسى عليهالسلام يفيد أنها بمنزلة الفصل الثاني من الاحتجاج على برائة ساحة المسيح مما يعتقده في حقه أهل الكتاب من النصارى ، والكلام بمنزلة قولنا : إنه ليس كما تزعمون فلا هو رب ولا أنه ادعى لنفسه الربوبية ، أما الأول : فلأنه مخلوق بشري حملته امه ووضعته وربته في المهد غير أنه لا أب له كآدم عليهماالسلام فمثله عند الله كمثل آدم ، وأما الثاني : فلأنه كان نبياً أوتي الكتاب والحكم والنبوة ؛ والنبي الذي هذا شأنه لا يعدو طور العبودية ولا يتعرى عن زي الرقية فكيف يتأتى أن يقول للناس اتخذوني رباً وكونوا عباداً لي من دون الله ، أو يجوز ذلك في حق غيره من عباد الله من ملك أو نبي فيعطي لعبد من عباد الله ما ليس له بحق ، أو ينفي عن نبي من الأنبياء ما أثبت الله في حقه من الرسالة فيأخذ منه ما هو له من الحق.
قوله تعالى : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ) ، البشر مرادف للإنسان ، ويطلق على الواحد والكثير فالإنسان الواحد بشر كما أن الجماعة منه بشر.
وقوله : ما كان لبشر ، اللام للملك أي لا يملك ذلك أي ليس له بحق كقوله تعالى : ( ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ) النور ـ ١٦ ، وقوله : ( وما كان لنبي أن يغل ) آل عمران ـ ١٦١.
وقوله تعالى : (أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) ، اسم كان إلا أنه توطئة لما يتبعه من قوله : ثم يقول للناس ، وذكر هذه التوطئة مع صحة المعنى بدونها ظاهراً يفيد وجهاً آخر لمعنى قوله : ما كان لبشر ، فإنه لو قيل : ما كان لبشر أن يقول للناس ، كان معناه أنه لم يشرع له هذا الحق وإن أمكن أن يقول ذلك فسقاً وعتواً ، ولكنه