الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١١٧
أيديهم من الأحكام والاوامر ؟ ولعلم به العقلاء من عامة أهل المملكة ، وكيف لا وهم يطيعون أوامره وعهوده ، ويعيشون في ملكه لكن الملك ينكر وجوده ، وعمال الدولة لا يعرفونه ، وعقلاء الرعية لا يشاهدون ما يدل على وجوده ؟ فليس.
قوله تعالى : (لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ، الجملة كالمعترضة الدخيلة في الكلام لاستيفاء حق معترض يفوت لولا ذكره مع عدم كونه مقصوداً في الكلام أصالة ، ومن أدب القرآن أن يظهر تعظيم الله جل شأنه في موارد يذكر أمره ذكراً يخطر منه بالبال ما لا يليق بساحة كبريائه كقوله تعالى : (قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ ) يونس ـ ٦٨ ، فقوله سبحانه قصد به التعظيم في مقام يحكى فيه قول لا يلائم حقه تعالى ، ونظيره بوجه قوله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ الآية ) المائدة ـ ٦٤.
وبالجملة لما اشتمل أول الآية على شهادة الله والملائكة واولي العلم ـ بنفي الشريك كان من حق الله سبحانه على من يحكي ويخبر عن هذه الشهادة أعني المتكلم ( وهو في الآية هو الله سبحانه ) وعلى من يسمع ذلك أن يوحد الله بنفي الشريك عنه فيقول لا إله إلا هو نظير ذلك قوله تعالى في قصة الافك : (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) النور ـ ١٦ ، فإن من حقه تعالى عليهم أن إذا سمعوا بهتاناً وأرادوا تنزيه من بهت عليه أن ينزهوا الله قبله فإنه تعالى أحق من يجب تنزيهه.
فموضع قوله : (لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) موضع الثناء عليه تعالى لاستيفاء حق تعظيمه ولذا تمم بالاسمين العزيز الحكيم ، ولو كان في محل النتيجة من الشهادة لكان حق الكلام أن يتمم بوصفي الوحدة والقيام بالقسط ، فهو تعالى حقيق بالتوحيد إذا ذكرت الشهادة المذكورة على وحدانيته لأنه المتفرد بالعزة التي يمنع جانبه أن يستذل بوجود شريك له في مقام الالوهية ، والمتوحد بالحكمة التي تمنع غيره أن ينقض أمره في خلقه أو ينفذ في خلال تدبيره وما نظمه من أمر العالم فيفسد عليه ما أراده.
وقد تبين بما مر من البيان وجه تكرار كلمة التوحيد في الآية ، وكذا وجه تتميمها بالاسمين : العزيز الحكيم ، والله العالم.