الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٥٥
حائل يحول في البين ولا عاصم من الله سبحانه وقد أوعد بالعذاب فينتج قطعية الوقوع كما يدل على مثله قوله في آيتي سورة هود فتمسكم النار وما لكم من ناصرين.
وفي قوله : (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) دلالة على أن لا مفر لكم منه ولا صارف له ؛ ففيه تأكيد التهديد السابق عليه.
و الآيات أعني قوله تعالى : لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء الآية وما يتبعها من الآيات من ملاحم القرآن ، وسيجيء بيانه إنشاء الله في سورة المائدة.
قوله تعالى : (قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ ) الآية نظيرة قوله تعالى : (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ ) البقرة ـ ٢٨٤ ، غير أنه لما كان الانسب بحال العلم أن يتعلق بالمخفي بخلاف الحساب فإن الانسب له أن يتعلق بالبادي الظاهر قدم ذكر الإخفاء في هذه الآية على ذكر الإبداء ، وجرى بالعكس منه في آية البقرة كما قيل.
وقد أمر في الآية رسوله بإبلاغ هذه الحقيقة ـ وهو علمه بما تخفيه أنفسهم أو تبديه ـ من دون أن يباشره بنفسه كسابق الكلام ، وليس ذلك إلا ترفعاً عن مخاطبة من يستشعر من حاله أنه سيخالف ما وصاه كما مر ما يشبه ذلك في قوله : ومن يفعل ذلك.
وفي قوله تعالى : (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) مضاهاة لما مر من آية البقرة وقد مر الكلام فيه.
قوله تعالى : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ) ، الظاهر من اتصال السياق أنه من تتمة القول في الآية السابقة الذي أمر به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والظرف متعلق بمقدر أي واذكر يوم تجد أو متعلق بقوله : يعلمه الله ويعلم ، ولا ضير في تعليق علمه تعالى بما سنشاهده من أحوال يوم القيامة فإن هذا اليوم ظرف لعلمه تعالى بالنسبة الى ظهور الأمر لنا لا بالنسبة الى تحققه منه تعالى ، وذلك كظهور ملكه وقدرته وقوته في اليوم ، قال تعالى : (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) المؤمن ـ ١٦ ، وقال : (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) هود ـ ٤٣ ، وقال : (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) البقرة ـ ١٦٥ ،