الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٠٥
الله علمه الكتاب والحكمة ، وبأنه من الشهداء يوم القيامة ، قال تعالى : (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) آل عمران ـ ٤٨ ، وقال تعالى حكاية عنه : (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ) المائدة ـ ١١٧ ، وقال تعالى : (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) النساء ـ ١٥٩.
فالآيات كما ترى تدل على كون المسيح عليهالسلام من الشفعاء ، وقد تقدم تفصيل القول في هذا المعني في تفسير قوله تعالى : (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً الآية ) البقرة ـ ٤٨.
٦ ـ من أين نشأ هذه الآراء ؟
القرآن ينفي أن يكون المسيح عليهالسلام هو الملقي لهذه الآراء والعقائد إليهم والمروج لها فيما بينهم بل انهم تعبّدوا لرؤسائهم في الدين وسلموا الأمر إليهم وهم نقلوا إليهم عقائد الماضين من الوثنيين كما قال تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ الآيات ) التوبة ـ ٣١.
وهؤلاء الكافرون الذين يشير تعالى إليهم بقوله : (يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ) ، ليسوا هم عرب الجاهلية في وثنيتهم حيث قالوا : إن الملائكة بنات الله فإن قولهم بأن لله ابناً أقدم تاريخاً من تماسهم مع العرب واختلاطهم بهم وخاصة قول اليهود بذلك مع أن ظاهر قوله : من قبل ، أنهم سابقون فيه على اليهود والنصارى ، على أن اتخاذ الأصنام في الجاهلية مما نقل إليهم من غيرهم ولم يكونوا بمبتكرين في ذلك [١].
[١] ذكروا أن أول من وضع الاصنام على الكعبة ودعي الناس إليها عمرو بن لحى وكان في زمان سابور ذي الاكتاف ساد قومه بمكة واستولى على سدانة البيت ثم سافر إلى مدينة البلقاء بأرض الشام فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والاشخاص البشرية نستنصر بها فننصر ، ونستمطر بها فنمطر بطلب منهم صنما من أصنامهم فدفعوا إليه هبل فرجع إلى مكة ووضعه على الكعبة ودعا الناس إلى عبادتها ، وكان معه إساف ونائلة على شكل زوجين فدعا الناس إليهما والتقرب إلى الله بهما ـ ذكره في الملل والنحل وغيره. ومن عجيب الأمر أن القرآن يذكر أسماء من أصنام العرب في قصة نوح وشكواه من قومه قال تعالى حكاية عنه : (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) نوح ـ ٢٣.
( ٣ ـ الميزان ـ ٢٠)