الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣٨٦
شَاكِرٌ عَلِيمٌ) البقرة ـ ١٥٨ ، وقال : (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ ـ إلى أن قال ـ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) البقرة ـ ٢٧٢.
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ) ، ظاهر وحدة السياق أن المراد بهؤلاء ، الذين كفروا هم الطائفة الاخرى من أهل الكتاب الذين لم يستجيبوا دعوة النبوة ، وكانوا يوطؤون على الإسلام ، ولا يألون جهداً في إطفاء نوره.
وربما قيل : إن الآية ناظرة إلى حال المشركين فتكون التوطئة لما سيشير إليه من قصة أُحد لكن لا يلائمه ما سيأتي من قوله : وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا « الخ » فإن ذلك بيان لحال اليهود مع المسلمين دون حال المشركين ، ومن هناك يظهر أن اتصال السياق لم ينقطع بعد.
وربما جمع بعض المفسرين بين حمل هذه الآية على المشركين وحمل تلك على اليهود وهو خطأ.
قوله تعالى : (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) الآية الصر البرد الشديد ، وإنما قيد الممثل بقوله : في هذه الحيوة الدنيا ليدل على أنهم منقطعون عن الدار الآخرة فلا يتعلق إنفاقهم إلا بهذه الحيوة ، وقيد حرث القوم بقوله : ظلموا أنفسهم ليحسن ارتباطه بقوله بعده وما ظلمهم الله.
ومحصل الكلام أن إنفاقهم في هذه الحيوة وهم يريدون به إصلاح شأنهم ونيل مقاصدهم الفاسدة لا يثمر لهم إلا الشقاء ، وفساد ما يريدونه ويحسبونه سعادة لأ نفسهم كالريح التي فيها صر تهلك حرث الظالمين ، وليس ذلك إلا ظلماً منهم لأنفسهم فإن العمل الفاسد لا يأتي إلا بالأثر الفاسد.
قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ) الآية سميت الوليجة بطانة وهي ما يلي البدن من الثوب وهي خلاف الظهارة لكونها تطلع على باطن الإنسان وما يضمره ويستسره ، وقوله : لا يألونكم أي لا يقصرون فيكم ، وقوله : خبالاً أي شراً وفساداً ، ومنه الخبل للجنون لأنه فساد العقل ، وقوله : ودوا ما عنتّم ، ما مصدرية أي ودوا وأحبوا عنتكم وشدة ضرركم ، وقوله : قد بدت البغضاء من أفواههم أُريد به ظهور البغضاء والعداوة من لحن قولهم وفلتات لسانهم ففيه استعارة