الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٦٥
معنى الكلام ، فالاصطفاء على العالمين ، نوع اختيار وتقديم لهم عليهم في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم.
ومن الدليل على ما ذكرناه من اختلاف الاصطفاء قوله تعالى : (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) آل عمران ـ ٤٢ ، حيث فرّق بين الاصطفائين فالاصطفاء غير الاصطفاء.
وقد ذكر سبحانه في هؤلاء المصطفين آدم ونوحاً ، فأما آدم فقد اصطفى على العالمين بأنه أول خليفة من هذا النوع الإنساني جعله الله في الأرض ، قال تعالى : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) البقرة ـ ٣٠ ، وأول من فتح به باب التوبة. قال تعالى : (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) طه ـ ١٢٢ ، وأول من شرّع له الدين ، قال تعالى : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى الآيات ) طه ـ ١٢٣ ، فهذه أمور لا يشاركه فيها غيره ، ويا لها من منقبة له عليهالسلام.
وأما نوح فهو أول الخمسة اولى العزم صاحب الكتاب والشريعه كما مر بيانه في تفسير قوله تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ) البقرة ـ ٢١٣ ، وهو الأب الثاني لهذا النوع ، وقد سلم الله تعالى عليه في العالمين ، قال تعالى : (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) الصافات ـ ٧٩.
ثم ذكر سبحانه آل إبراهيم وآل عمران من هؤلاء المصطفين ، والآل خاصة الشيء ، قال الراغب في المفردات : الآل قيل مقلوب عن الأهل ، ويصغر على أُهيل إلا أنه خص بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النكرات ودون الأزمنة والأمكنة ، يقال آل فلان ولا يقال : آل رجل وآل زمان كذا أو موضع كذا ، ولا يقال آل الخياط بل يضاف إلى الأشرف الأفضل ، يقال آل الله وآل السلطان ، والأهل يضاف إلى الكل ، يقال : أهل الله وأهل الخياط كما يقال أهل زمن كذا ، وبلد كذا وقيل هو في الأصل اسم الشخص ويصغر أُويلاً ، ويستعمل فيمن يختص بالإنسان اختصاصاً ذاتياً إما بقرابة قريبة أو بموالاة انتهى موضع الحاجة ، فالمراد بآل إبراهيم وآل عمران خاصتهما من أهلهما والملحقين بهما على ما عرفت.
فأما آل إبراهيم فظاهر لفظه أنهم الطيبون من ذريته كإسحاق وإسرائيل