إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٣ - حكايات الأسخياء
و اجتمع قراء البصرة إلى ابن عباس و هو عامل بالبصرة.فقالوا لنا جار صوام قوام،يتمنى كل واحد منا أن يكون مثله،و قد زوج بنته من ابن أخيه،و هو فقير،و ليس عنده ما يجهزها به.فقام عبد اللّه بن عباس،فأخذ بأيديهم،و أدخلهم داره،و فتح صندوقا.فأخرج منه ست بدر.فقال احملوا.فحملوا.فقال ابن عباس،ما أنصفناه.أعطيناه ما يشغله عن قيامه و صيامه.ارجعوا بنا نكن أعوانه على تجهيزها،فليس للدنيا من القدر ما يشغل مؤمنا عن عبادة ربه،و ما بنا من الكبر ما لا نخدم أولياء اللّه تعالى.ففعل و فعلوا و حكي أنه لما أجدب الناس بمصر،و عبد الحميد بن سعد أميرهم،فقال،و اللّه لأعلمن الشيطان أنى عدوه.فعال محاويجهم إلى أن رخصت الأسعار،ثم عزل عنهم،فرحل و للتجار عليه ألف ألف درهم فرهنهم بها حلىّ نسائه،و قيمتها خمسمائة ألف ألف.فلما تعذر عليه ارتجاعها،كتب إليهم ببيعها،و دفع الفاضل منها عن حقوقهم إلى من لم تنله صلاته و كان أبو طاهر بن كثير شيعيا،فقال له رجل،بحق على بن أبي طالب لما وهبت لي نحلتك بموضع كذا و كذا.فقال قد فعلت.و حقه لأعطينك ما يليها و كان ذلك أضعاف ما طلب الرجل و كان أبو مرثد أحد الكرماء ،فمدحه بعض الشعراء.فقال للشاعر،و اللّه ما عندي ما أعطيك،و لكن قدمنى إلى القاضي،و ادّع عليّ بعشرة آلاف درهم،حتى أقر لك بها، ثم احبسنى،فإن أهلي لا يتركوني محبوسا.ففعل ذلك،فلم يمس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم،و أخرج أبو مرثد من الحبس.و كان معن بن زائدة عاملا على العرافين بالبصرة، فحضر بابه شاعر،فأقام مدة،و أراد الدخول على معن.فلم يتهيأ له.فقال يوما لبعض خدام معن،إذا دخل الأمير البستان فعرفني.فلما دخل الأمير البستان أعلمه.فكتب الشاعر بيتا على خشبة،و ألقاها في الماء الذي يدخل البستان.و كان معن على رأس الماء.فلما بصر بالخشبة،أخذها و قرأها،فإذا مكتوب عليها
أيا جود معن ناج معنا بحاجتي فما لي إلى معن سواك شفيع
فقال من صاحب هذه؟فدعى بالرجل.فقال له كيف قلت؟فقاله.فأمر له بعشر بدر فأخذها،و وضع الأمير الخشبة تحت بساطه.فلما كان اليوم الثاني،أخرجها من تحت البساط