إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩ - الآثار
بمشرق الأرض طورا ثم مغربها
لا يخطر الموت من حرصى على بال
و لو قنعت أتاني الرزق في دعة
إن القنوع الغنى لا كثرة المال
و قال عمر رضى اللّه عنه،ألا أخبركم بما أستحل من مال اللّه تعالى؟حلتان لشتائى و قيظى و ما يسعني من الظهر لحجي و عمرتي،و قوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش،لست بأرفعهم،و لا بأوضعهم.فو اللّه ما أدرى أ يحل ذلك أم لا؟كأنه شك في أن هذا القدر هل هو زيادة على الكفاية التي تجب القناعة بها .و عاتب أعرابي أخاه على الحرص فقال يا أخي،أنت طالب و مطلوب،يطلبك من لا تفوته،و تطلب أنت ما قد كفيته،و كأن ما غاب عنك قد كشف لك،و ما أنت فيه قد نقلت عنه كأنك يا أخي لم تر حريصا محروما،و زاهدا مرزوقا.و في ذلك قيل
أراك يزيدك الإثراء حرصا على الدنيا كأنك لا تموت
فهل لك غاية إن صرت يوما إليها قلت حسبي قد رضيت
و قال الشعبي،حكى أن رجلا صاد قنبرة،فقالت ما تريد أن تصنع بي؟قال أذبحك و آكلك.قالت و اللّه ما أشفى من قرم ،و لا أشبع من جوع،و لكن أعلمك ثلاث خصال،هي خير لك من أكلى.أما واحدة،فأعلمك و أنا في يدك،و أما الثانية،فإذا صرت على الشجرة،و أما الثالثة،فإذا صرت على الجبل.قال هات الأولى.قالت:لا تلهفن على ما فاتك.فخلاها،فلما صارت على الشجرة.قال هات الثانية،قالت لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون.ثم طارت فصارت على الجبل،فقالت.يا شقي،لو ذبحتنى لأخرجت من حوصلتي درتين زنة كل درة عشرون مثقالا.قال فعض على شفته و تلهف و قال،هات الثالثة.قالت أنت قد نسيت اثنتين،فكيف أخبرك بالثالثة،ألم أقل لك لا تلهفن على ما فاتك؟و لا تصدقن بما لا يكون؟أنا لحمى،و دمى،و ريشي،لا يكون عشرين مثقالا فكيف يكون في حوصلتي درتان كل واحدة عشرون مثقالا؟ثم طارت فذهبت.و هذا مثال لفرط طمع الآدمي،فإنه يعميه عن درك الحق،حتى يقدر ما لا يكون أنه يكون و قال ابن السماك،إن الرجاء حبل في قلبك،و قيد في رجلك.فأخرج الرجاء من قلبك يخرج القيد من رجلك.و قال أبو محمد اليزيدي ،دخلت على الرشيد ،فوجدته ينظر في ورقة.