إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٢ - بيان
ذلك الكلام وحده لما بكى.و لكن بكاء الناس يؤثر في ترقيق القلب.و قد لا يحضره البكاء فيتباكى تارة رياء و تارة مع الصدق،إذ يخشى على نفسه قساوة القلب حين يبكون و لا تدمع عينه،فيتباكى تكلفا.و ذلك محمود،و علامة الصدق فيه أن يعرض على نفسه أنه لو سمع بكاءهم من حيث لا يرونه،هل كان يخاف على نفسه القساوة فيتباكى أم لا؟ فإن لم يجد ذلك عند تقدير الاختفاء عن أعينهم،فإنما خوفه من أن يقال إنه قاسى القلب فينبغي أن يترك التباكي.قال لقمان عليه السّلام لابنه:لا ترى الناس أنك تخشى اللّه ليكرموك و قلبك فاجر .و كذلك الصيحة ،و التنفس،و الأنين عند القرءان أو الذكر،أو بعض مجاري الأحوال،تارة تكون من الصدق،و الحزن و الخوف،و الندم،و التأسف،و تارة تكون لمشاهدته حزن غيره،و قساوة قلبه،فيتكلف التنفس و الأنين و يتحازن.و ذلك محمود.
و قد تقترن به الرغبة فيه لدلالته على أنه كثير الحزن،ليعرف بذلك.فإن تجردت هذه الداعية فهي الرياء.و إن اقترنت بداعية الحزن،فإن أباها و لم يقبلها و كرهها سلم بكاؤه و تباكيه.و إن قبل ذلك و ركن إليه بقلبه حبط أجره،و ضاع سعيه،و تعرض لسخط اللّه تعالى به و قد يكون أصل الأنين عن الحزن،و لكن يمده و يزيد في رفع الصوت.فتلك الزيادة رياء،و هو محظور.لأنها في حكم الابتداء لمجرد الرياء.فقد يهيج من الخوف ما لا يملك العبد معه نفسه،و لكن يسبقه خاطر الرياء فيقبله،فيدعو إلى زيادة تحزين للصوت،أو رفع له أو حفظ الدمعة على الوجه حتى تبصر بعد أن استرسلت لخشية اللّه،و لكن يحفظ أثرها على الوجه لأجل الرياء.و كذلك قد يسمع الذكر فتضعف قواه من الخوف فيسقط،ثم يستحى أن يقال له إنه سقط من غير زوال عقل و حالة شديدة فيزعق.يتواجد تكلفا،ليرى أنه سقط لكونه مغشيا عليه،و قد كان ابتداء السقطة عن صدق.و قد يزول عقله، فيسقط،و لكن يفيق سريعا.فتجزع نفسه أن يقال حالته غير ثابتة،و إنما هي كبرق خاطف،فيستديم الزعقة و الرقص ليرى دوام حاله .و كذلك قد يفيق بعد الضعف و لكن يزول ضعفه سريعا.فيجزع أن يقال لم تكن غشيته صحيحة،و لو كان لدام ضعفه فيستديم إظهار الضعف و الأنين،فيتكئ على غيره،يرى أنه يضعف عن القيام،و يتمايل في المشي ،و يقرب الخطا ليظهر أنه ضعيف عن سرعة المشي.فهذه كلها مكايد الشيطان