إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٠ - المقام الأول في قلع عروقه و استئصال أصوله
و تحببت إلى العباد بالتبغض إلى اللّه،و تزينت لهم بالشين عند اللّه،و تقربت إليهم بالبعد من اللّه،و تحمدت إليهم بالتذمم عند اللّه،و طلبت رضاهم بالتعرض لسخط اللّه.أما كان أحد أهون عليك من اللّه ؟فمهما تفكر العبد في هذا الخزي،و قابل ما يحصل له من العباد و التزين لهم في الدنيا،بما يفوته في الآخرة،و بما يحبط عليه من ثواب الأعمال،مع أن العمل الواحد ربما كان يترجح به ميزان حسناته لو خلص،فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات فترجح به،و يهوى إلى النار.فلو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا في معرفة ضرره.و إن كان مع ذلك سائر حسناته راجحة،فقد كان ينال بهذه الحسنة علو الرتبة عند اللّه في زمرة النبيين و الصديقين،و قد حط عنهم بسبب الرياء،و ردّ إلى صف النعال من مراتب الأولياء،هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق.فإن رضا الناس غاية لا تدرك.فكل ما يرضى به فريق يسخط به فريق.و رضا بعضهم في سخط بعضهم.و من طلب رضاهم في سخط اللّه سخط اللّه عليه، و أسخطهم أيضا عليه .ثم أي غرض له في مدحهم،و إيثار ذم اللّه لأجل حمدهم،و لا يزيده حمدهم رزقا و لا أجلا،و لا ينفعه يوم فقره و فاقته و هو يوم القيامة و أما الطمع فيما في أيديهم فبأن يعلم أن اللّه تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع و الإعطاء، و أن الخلق مضطرون فيه ،و لا رازق إلا اللّه.و من طمع في الخلق لم يخل من الذل و الخيبة و إن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة و المهانة.فكيف يترك ما عند اللّه برجاء كاذب،و وهم فاسد قد يصيب و قد يخطئ؟و إذا أصاب فلا تفي لذته بألم منته و مذلته و أما ذمهم فلم يحذر منه،و لا يزيده ذمهم شيئا ما لم يكتبه عليه اللّه،و لا يعجل أجله، و لا يؤخر رزقه،و لا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة،و لا يبغضه إلى اللّه إن كان محمودا عند اللّه،و لا يزيده مقتا إن كان ممقوتا عند اللّه؟فالعباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرا و لا نفعا،و لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا.فإذا قرر في قلبه آفة هذه الأسباب و ضررها،فترت رغبته ،و أقبل على اللّه قلبه ،فإن العاقل لا يرغب فيما يكثر ضرره و يقل نفعه.و يكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء و إظهار الإخلاص،لمقتوه.
و سيكشف اللّه عن سره حتى يبغضه إلى الناس،و يعرفهم أنه مراء و ممقوت عند اللّه.