إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٤ - و من صفات الكمال للّٰه تعالى استحالة التغير و التأثر عليه
فهي حادثة بإحداث اللّه،كما قررناه في كتاب الصبر و الشكر،و كتاب التوكل،و في مواضع شتى من ربع المنجيات.فكمال العلم يبقى معه بعد الموت،و يوصله إلى اللّه تعالى.
فأما كمال القدرة فلا.نعم:له كمال من جهة القدرة بالإضافة إلى الحال،و هي وسيلة له إلى كمال العلم،كسلامة أطرافه،و قوّة يده للبطش،و رجله للمشي،و حواسه للإدراك،فإن هذه القوى آلة للوصول بها إلى حقيقة كمال العلم .و قد يحتاج في استيفاء هذه القوى إلى القدرة بالمال و الجاه،للتوصل به إلى المطعم و المشرب،و الملبس،و المسكن،و ذلك إلى قدر معلوم ،فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة جلال اللّه،فلا خير فيه البتة إلا من حيث اللذة الحالية،التي تنقضي على القرب.و من ظن ذلك كمالا فقد جهل.
فالخلق أكثرهم هالكون في غمرة هذا الجهل.فإنهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة،و على أعيان الأموال بسعة الغنى،و على تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال.فلما اعتقدوا ذلك أحبوه و لما أحبوه طلبوه،و لما طلبوه شغلوا به،و تهالكوا عليه،فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من اللّه تعالى و من ملائكته،و هو العلم و الحرية.أما العلم فما ذكرناه من معرفة اللّه تعالى.و أما الحرية فالخلاص من أسر الشهوات و غموم الدنيا،و الاستيلاء عليها بالقهر،تشبها بالملائكة الذين لا تستفزهم الشهوة،و لا يستهويهم الغضب،فإن دفع آثار الشهوة و الغضب عن النفس من الكمال،الذي هو من صفات الملائكة.
و من صفات الكمال للّٰه تعالى استحالة التغير و التأثر عليه
،فمن كان عن التغير و التأثر بالعوارض أبعد،كان إلى اللّه تعالى أقرب،و بالملائكة أشبه،و منزلته عند اللّه أعظم .و هذا كمال ثالث سوى كمال العلم و القدرة.و إنما لم نورده في أقسام الكمال لأن حقيقته ترجع إلى عدم و نقصان،فإن التغير نقصان،إذ هو عبارة عن عدم صفة كائنة و هلاكها،و الهلاك نقص في اللذات و في صفات الكمال.فإذا الكمالات ثلاثة،إن عددنا عدم التغير بالشهوات و عدم الانقياد لها كمالا،ككمال العلم،و كمال الحرية،و أعنى به عدم العبودية للشهوات و إرادة الأسباب الدنيوية.و كمال القدرة للعبد طريق إلى اكتساب كمال العلم و كمال الحرية و لا طريق له إلى اكتساب كمال القدرة الباقية بعد موته،إذ قدرته على أعيان الأموال، و على استسخار القلوب و الأبدان ،تنقطع بالموت.و معرفته و حريته لا ينعدمان بالموت،