إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٨
فإنه لو كان في عبادة و اطلع الناس كلهم عليه،لم يزده ذلك خشوعا،و لم يداخله سرور بسبب اطلاعهم عليه.فإن دخل سرور يسير فهو دليل ضعفه،و لكن إذا قدر على رده بكراهة العقل و الإيمان،و بادر إلى ذلك،و لم يقبل ذلك السرور بالركون إليه،فيرجى له أن لا يخيب سعيه،إلا أن يزيد عند مشاهدتهم في الخشوع و الانقباض كى لا ينبسطوا إليه،فذلك لا بأس به،و لكن فيه غرور.إذ النفس قد تكون شهوتها الخفية إظهار الخشوع و تتعلل بطلب الانقباض،فيطالبها في دعواها قصد الانقباض بموثق من اللّه غليظ،و هو أنه لو علم أن انقباضهم عنه إنما حصل بأن يعدو كثيرا،أو يضحك كثيرا،أو يأكل كثيرا فتسمح نفسه بذلك.فإذا لم تسمح و سمحت بالعبادة،فيشبه أن يكون مرادها المنزلة عندهم و لا ينجو من ذلك إلا من تقرر في قلبه أنه ليس في الوجود أحد سوى اللّه،فيعمل عمل من لو كان على وجه الأرض وحده لكان يعمله،فلا يلتفت قلبه إلى الخلق إلا خطرات ضعيفة لا يشق عليه إزالتها.فإذا كان كذلك لم يتغير بمشاهدة الخلق.و من علامة الصدق فيه أنه لو كان له صاحبان،أحدهما غنى و الآخر فقير،فلا يجد عند إقبال الغنى زيادة هزة في نفسه لا كرامة،إلا إذا كان في الغنىّ زيادة علم أو زيادة ورع،فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى.فمن كان استرواحه إلى مشاهدة الأغنياء أكثر،فهو مراء أو طماع.و إلا فالنظر إلى الفقراء يزيد في الرغبة إلى الآخرة،و يحبب إلى القلب المسكنة .و النظر إلى الأغنياء بخلافه.فكيف استروح بالنظر إلى الغنى أكثر مما يستروح إلى الفقير! و قد حكى أنه لم ير الأغنياء في مجلس أذل منهم فيه في مجلس سفيان الثوري كان يجلسهم وراء الصف و يقدم الفقراء،حتى كانوا يتمنون أنهم فقراء في مجلسه.نعم لك زيادة إكرام للغني إذا كان أقرب إليك أو كان بينك و بينه حق و صداقة سابقة،و لكن يكون بحيث لو وجدت تلك العلاقة في فقير،لكنت لا تقدم الغنى عليه في إكرام و توقير البتة،فإن الفقير أكرم على اللّه من الغنى فإيثارك له لا يكون إلا طمعا في غناه،و رياء له.ثم إذا سويت بينهما في المجالسة،فيخشى عليك أن تظهر الحكمة و الخشوع للغني أكثر مما تظهره للفقير،و إنما ذلك رياء خفى، أو طمع خفى.كما قال ابن السماك لجارية له:مالى إذا أتيت بغداد فتحت لي الحكمة؟فقالت الطمع يشحذ لسانك.و قد صدقت .فإن اللسان ينطلق عند الغنى بما لا ينطلق به عند الفقير و كذلك يحضر من الخشوع عنده ما لا يحضر عند الفقير