إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٨ - القسم الأول،الطاعات اللازمة للبدن التي لا تتعلق بالغير
فإنه تدرع بصورة الطاعة إلى طلب المنزلة .فإن قدر الإنسان على أن يدفع عن نفسه باعث الرياء،و يقول لها:أ لا تستحيين من مولاك،لا تسخين بالعمل لأجله،و تسخين بالعمل لأجل عباده،حتى يندفع باعث الرياء،و تسخو النفس بالعمل للّٰه،عقوبة للنفس على خاطر الرياء،و كفارة له،فليشتغل بالعمل الثانية:أن ينبعث لأجل اللّه،و لكن يعترض الرياء مع عقد العبادة و أولها.فلا ينبغي أن يترك العمل،لأنه وجد باعثا دينيا،فليشرع في العمل،و ليجاهد نفسه في دفع الرياء، و تحصيل الإخلاص بالمعالجات التي ذكرناها،من إلزام النفس كراهة الرياء و الإباء عن القبول الثالثة:أن يعقد على الإخلاص،ثم يطرأ الرياء و دواعيه.فينبغي أن يجاهد في الدفع، و لا يترك العمل لكي يرجع إلى عقد الإخلاص.و يرد نفسه إليه قهرا حتى يتمم العمل.
لأن الشيطان يدعوك أولا إلى ترك العمل،فإذا لم تجب و اشتغلت،فيدعوك إلى الرياء.
فإذا لم تجب و دفعت،بقي يقول لك.هذا العمل ليس بخالص،و أنت مراء،و تعبك ضائع فأي فائدة لك في عمل لا إخلاص فيه؟حتى يحملك بذلك على ترك العمل .فإذا تركته فقد حصّلت غرضه و مثال من يترك العمل لخوفه أن يكون مرائيا،كمن سلم إليه مولاه حنطة فيها زؤان و قال خلصها من الزؤان و نقها منه تنقية بالغة،فيترك أصل العمل،و يقول أخاف إن اشتغلت به لم تخلص خلاصا صافيا نقيا.فترك العمل من أجله،و هو ترك الإخلاص مع أصل العمل،فلا معنى له و من هذا القبيل أن يترك العمل خوفا على الناس أن يقولوا إنه مراء،فيعصون اللّه به فهذا من مكايد الشيطان.لأنه أولا أساء الظن بالمسلمين،و ما كان من حقه أن يظن بهم ذلك ثم إن كان فلا يضره قولهم،و يفوته ثواب العبادة.و ترك العمل خوفا من قولهم إنه مراء هو عين الرياء،فلو لا حبه لمحمدتهم،و خوفه من ذمهم،فما له و لقولهم قالوا إنه مراء أو قالوا إنه مخلص؟و أي فرق بين أن يترك العمل خوفا من أن يقال إنه مراء،و بين أن يحسن العمل خوفا من أن يقال إنه غافل مقصر،بل ترك العمل أشد من ذلك فهذه كلها مكايد الشيطان على العباد الجهال.ثم كيف يطمع في أن يتخلص من الشيطان بأن يترك العمل.و الشيطان لا يخليه،بل يقول له الآن يقول الناس إنك تركت العمل ليقال إنه مخلص لا يشتهي الشهرة.فيضطرك بذلك إلى أن تهرب.فإن هربت و دخلت