إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨ - الحالة الرابعة و هي الصدق في العبادة
الصّوف إلاّ من»فقيل يا رسول اللّه إلا من؟فقال«إلاّ من تنزّهت نفسه عن الدّنيا و أبغض المدحة و استحبّ المذمّة »و هذا شديد جدا و غاية أمثالنا الطمع في الحالة الثانية:و هو أن يضمر الفرح و الكراهة على الذام و المادح و لا يظهر ذلك بالقول و العمل.فأما الحالة الثالثة:و هي التسوية بين المادح و الذام،فلسنا نطمع فيها.ثم إن طالبنا أنفسنا بعلامة الحالة الثانية،فإنها لا تفي بها،لأنها لا بد و أن تتسارع إلى إكرام المادح و قضاء حاجاته،و تتثاقل على إكرام الذام و الثناء عليه و قضاء حوائجه.
و لا نقدر على أن نسوى بينهما في الفعل الظاهر،كما لا نقدر عليه في سريرة القلب.و من قدر على التسوية بين المادح و الذام في ظاهر الفعل،فهو جدير بأن يتخذ قدوة في هذا الزمان إن وجد، فإنه الكبريت الأحمر يتحدث الناس به و لا يرى،فكيف بما بعده من المرتبتين و كل واحدة من هذه الرتب أيضا فيها درجات.أما الدرجات في المدح ،فهو أن من الناس من يتمنى المدحة و الثناء و انتشار الصيت،فيتوصل إلى نيل ذلك بكل ما يمكن،حتى يرائي بالعبادات، و لا يبالي بمقارفة المحظورات،لاستمالة قلوب الناس،و استنطاق ألسنتهم بالمدح:و هذا من الهالكين و منهم من بريد ذلك،و يطلبه بالمباحات،و لا يطلبه بالعبادات،و لا يباشر المحظورات.
و هذا على شفا جرف هار .فإن حدود الكلام الذي يستميل به القلوب،و حدود الأعمال،لا يمكنه أن يضبطها.فيوشك أن يقع فيما لا يحل لنيل الحمد.فهو قريب من الهالكين جدا.
و منهم من لا يريد المدحة،و لا يسعى لطلبها،و لكن إذا مدح سبق السرور إلى قلبه.
فإن لم يقابل ذلك بالمجاهدة،و لم يتكلف الكراهية،فهو قريب من أن يستجره فرط السرور إلى الرتبة التي قبلها.و إن جاهد نفسه في ذلك،و كلف قلبه الكراهية،و بغض السرور إليه بالتفكر في آفات المدح،فهو في خطر المجاهدة،فتارة تكون اليد له،و تارة تكون عليه و منهم من إذا سمع المدح لم يسر به،و لم يغتم به،و لم يؤثر فيه،و هذا على خير،و إن كان قد بقي عليه بقية من الإخلاص.و منهم من يكره المدح إذا سمعه،و لكن لا ينتهى به إلى أن يغضب على المادح و ينكر عليه.و أقصى درجاته أن يكره،و يغضب،و يظهر الغضب و هو صادق فيه.لا أن يظهر الغضب و قلبه محب له،فإن ذلك عين النفاق،لأنه يريد،أن يظهر من نفسه الإخلاص و الصدق،و هو مفلس عنه.و كذلك بالضد من هذا تتفاوت الأحوال في حق الذام.