إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣ - و أما السبب الثالث
شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا.بل الدنيا دار أحزان و غموم ،لا دار فرح و سرور.ثم إن كنت تفرح بها على رجاء حسن الخاتمة،فينبغي أن يكون فرحك بفضل اللّه عليك بالعلم و التقوى،لا بمدح المادح .فإن اللذة في استشعار الكمال،و الكمال موجود من فضل اللّه لا من المدح،و المدح تابع له،فلا ينبغي أن تفرح بالمدح،و المدح لا يزيدك فضلا و إن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خال عنها،ففرحك بالمدح غاية الجنون.و مثالك مثال من يهزأ به إنسان و يقول:سبحان اللّه!ما أكثر العطر الذي في أحشائه،و ما أطيب الروائح التي تفوح منه إذا قضى حاجته و هو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار و الأنتان ثم يفرح بذلك.فكذلك إذا أثنوا عليك بالصلاح و الورع،ففرحت به،و اللّه مطلع على خبائث باطنك،و غوائل سريرتك،و أقذار صفاتك،كان ذلك من غاية الجهل فإذا المادح إن صدق فليكن فرحك بصفتك،التي هي من فضل اللّه عليك، و إن كذب فينبغي أن يغمك ذلك و لا تفرح به
و أما السبب الثاني:
و هو دلالة المدح على تسخير قلب المادح،و كونه سببا لتسخير قلب آخر،فهذا يرجع إلى حب الجاه و المنزلة في القلوب.و قد سبق وجه معالجته،و ذلك بقطع الطمع عن الناس،و طلب المنزلة عند اللّه،و بأن تعلم أن طلبك المنزلة في قلوب الناس، و فرحك به،يسقط منزلتك عند اللّه،فكيف تفرح به!
و أما السبب الثالث:
و هو الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح،فهو أيضا يرجع إلى قدرة عارضة لا ثبات لها،و لا تستحق الفرح.بل ينبغي أن يغمك مدح المادح و تكرهه و تغضب به،كما نقل ذلك عن السلف .لأن آفة المدح على الممدوح عظيمة،كما ذكرناه في كتاب آفات اللسان.قال بعض السلف.من فرح بمدح فقد مكن الشيطان من أن يدخل في بطنه.و قال بعضهم:إذا قيل لك نعم الرجل أنت،فكان أحب إليك من أن يقال لك بئس الرجل أنت،فأنت و اللّه بئس الرجل:و روى في بعض الأخبار،فإن صح فهو قاصم للظهور،[١]أن رجلا أثنى على رجل خيرا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،فقال«لو كان صاحبك حاضرا فرضى الّذي قلت فمات على ذلك دخل النّار»و قال صلّى اللّه عليه و سلم