مصابيح الظلام فی شرح مفاتیح الشرایع - الوحيد البهبهاني، محمّد باقر - الصفحة ٧٥
الجنّات» : إنّه كتب في الجواب ـ لما سئل عن سرّ وصوله إلى هذه المرتبة العالية : لا أعلم من نفسي شيئا أستحقّ به ذلك ، إلّا أنّي لم أكن أحسب نفسي شيئا أبدا ، ولا أجعلها في عداد الموجودين ، ولم آل جهدا في تعظيم العلماء ، والمحمدة على أسمائهم ، ولم أترك الاشتغال بتحصيل العلم مهما استطعت ، وقدّمته على كلّ مرحلة دائما [١].
كان بحقّ نزيها منزّها من جميع التعلّقات الظاهريّة والزخارف الدنيويّة ، يقول في «مرآة الأحوال» ـ ما ترجمته ـ : لم يصرف همّته العالية طوال عمره الشريف لجمع الزخارف الدنيويّة التي كان يسعى أقلّ تلامذته على تحصيلها ، بل لم يكن أصلا عارفا بأنواع المسكوكات المختلفة من دراهم ودنانير والفرق بينها ، بل استولى عليه الابتعاد عن أصحاب المقامات الدنيويّة ، وأبعد نفسه الشريفة عن معاشرة اولئك مبدّلا إيّاهم بمصاحبة الفقراء والمساكين ؛ حيث كان يلتذّ بذلك [٢].
ونقل في «قصص العلماء» ـ ما ترجمته ـ : إنّ في سنة من السنين خاطت له زوجته جبّة في أيّام الشتاء فلبسها ـ طاب ثراه ـ ، ولمّا حان وقت المغرب ذهب إلى المسجد ، فبادر أحد الأراذل إلى تعرية رأسه ومشى حافيا إلى الشيخ رحمهالله وعرض له حاله وعريته وبرودة الهواء ، وطلب منه أن يفكّر له بتغطية رأسه ، فسأله الشيخ رحمهالله : هل معك سكّين؟ فأجاب : نعم ، فأخذ السكّين منه وقصّ أحد كمّيه وأعطاه إيّاه ، وقال : خذ هذا الكمّ وضعه على رأسك هذه الليلة كي أجد لك حلّا غدا ، وعند عودته إلى البيت رأت زوجته أنّ جبّته بدون الكمّ ، فتأثّرت منه ؛ حيث أنّها قضت مدّة طويلة لتهيئة هذه الجبّة فأنقصها بقطع
[١]روضات الجنّات : ٢ / ٩٨.
[٢]مرآة الأحوال : ١ / ١٢٩.